العراق يطبع الكتب محلياً ومكافأة 150 ألف دينار للتربويين على طاولة 2027
عاد ملف صناعة الكتاب في العراق إلى واجهة الاهتمام خلال شهر آب 2026، بعدما أعلنت وزارة الثقافة العراقية عن خطوات عملية لإطلاق مشروع طباعة الكتب داخل البلاد، بالتوازي مع إدراج ملف منحة مالية بقيمة 150 ألف دينار للتربويين على طاولة موازنة عام 2027. ويأتي هذا التزامن ليمنح المشهد الثقافي والتعليمي دفعة مزدوجة، إذ يلامس من جهة واقع المطابع المحلية، ومن جهة أخرى أوضاع المعلمين والمدرسين في المدارس والجامعات.
لماذا عاد الملف إلى الواجهة الآن
تعود أسباب عودة هذا الملف إلى ثلاثة محاور رئيسية:
- ارتفاع كلفة الاستيراد: لجأت دور النشر العراقية خلال السنوات السابقة إلى استيراد الكتب المطبوعة من لبنان, ومصر, والأردن, وسوريا, ما رفع الأسعار وأثقل كاهل الطلبة والمكتبات.
- تراجع المطبعة المحلية: أغلقت عدد من المطابع الأهلية أبوابها بسبب نقص المواد الأولية وصعوبة الاستيراد, وهو ما انعكس على حجم الإصدارات المحلية.
- الضغط التربوي: يطالب الاتحاد العام لجمعيات المعلمين منذ سنوات بصرف مكافآت مالية عادلة للتربويين, وسط غلاء المعيشة وتراجع القيمة الشرائية للرواتب.
وبدا واضحاً أن الحكومة الحالية تنظر إلى الملفين بوصفهما ملفين مرتبطين, إذ إن إحياء المطبعة المحلية يحتاج إلى محتوى تعليمي ومدرسي قوي, فيما يحتاج التربويون إلى حوافز تدفعهم للاستمرار في أداء رسالتهم.
تفاصيل مشروع الطباعة المحلية
تشمل خطة وزارة الثقافة العراقية جملة من الإجراءات التي تهدف إلى إعادة تشغيل المطبعة الرسمية وتشجيع القطاع الخاص, ومن أبرزها:
- تحديث خطوط الإنتاج في المطبعة الوطنية وتجهيزها بآلات حديثة للطباعة والتجليد.
- توقيع اتفاقيات مع دور النشر المحلية لتبني طباعة الكتب المقررة في المناهج الدراسية داخل العراق.
- تشكيل لجنة فنية لإعداد معايير جودة للورق والطباعة والحبر, حتى لا تتأثر متانة الكتاب بسبب تخفيض التكاليف.
- منح إعفاءات جمركية للمطابع المستوردة للماكينات وقطع الغيار والمواد الخام.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الخطة مرهون بمدى التزام الوزارات المعنية بتوفير العملة الأجنبية لاستيراد الورق, خصوصاً أن أسعار الورق العالمي شهدت تقلبات حادة منذ 2025, كما أن تجربة طباعة المناهج العراقية محلياً تحتاج إلى بنية تحتية قادرة على إنتاج عشرات الملايين من النسخ سنوياً.
مكافأة 150 ألف دينار للتربويين: أين وصلت؟
أما في ما يتعلق بملف التربويين, فقد تداولت تقارير صحفية عراقية أن وزارة التربية تبحث إدراج منحة مالية بقيمة 150 ألف دينار عراقي ضمن مسودة موازنة 2027, على أن تُصرف كحافز شهري أو نصف شهري وفق ضوابط ستُعلن لاحقاً. ويعد هذا الرقم, على بساطته, مؤشراً إيجابياً مقارنة بالرواتب الحالية التي لا تتناسب مع متطلبات المعيشة في المدن الكبرى مثل بغداد, والبصرة, والموصل, وأربيل.
وتفيد مصادر نيابية بأن ملف التربويين ما يزال يمر بمراحل مراجعة داخل الحكومة, وأن النقاشات تشمل ثلاثة سيناريوهات:
- صرف المكافأة كبدل نقل شهري يضاف إلى الراتب الأساسي.
- تخصيصها مكافأة فصلية ترتبط بنسبة الحضور والانضباط.
- إدراجها ضمن هيكل الرواتب الجديد الذي تسعى الوزارة إلى إقراره لتوحيد سلّم الرواتب بين المعلمين والمدرسين والإداريين.
ويرى معلمون عراقيون أن المكافأة, في حال إقرارها, لن تكون كافية بمفردها لمعالجة الفجوة الكبيرة في الرواتب, لكنها تشكّل خطوة أولى نحو إعادة الاعتبار لمهنة التعليم, خصوصاً بعد موجات الهجرة المتكررة للمدرسين الكفاءات إلى القطاع الخاص.
الأثر المتوقع على السوق الثقافية والتعليمية
إذا اكتمل مشروع الطباعة المحلية وبدأ فعلياً بإنتاج الكتب المدرسية والجامعية داخل العراق, فمن المتوقع أن تنخفض أسعار الكتب بنسبة تتراوح بين 25% و40%, وهو ما ينعكس مباشرة على الطلبة وأولياء الأمور الذين يتحملون سنوياً أعباء شراء المناهج. كما ستستفيد المكتبات العامة والجامعات من وفرة الإصدارات المحلية في تلبية احتياجاتها البحثية والمعرفية.
أما في الشق التربوي, فإن أي تحسن في دخل المعلم ينعكس عادة على جودة التعليم واستقرار الكوادر التدريسية, لا سيما في المناطق النائية التي تعاني أصلاً من نقص في أعداد المدرسين, ويسعى كثير منهم إلى النقل إلى المدن الكبرى بحثاً عن دخل إضافي.
أسئلة ما تزال معلقة
رغم الإيجابية التي يحملها هذا التوجه, فإن عدة نقاط ما تزال بحاجة إلى توضيح من الجهات الرسمية:
- ما الجدول الزمني الفعلي لتشغيل خطوط الطباعة المحلية ومتى يبدأ إنتاج أول دفعة من الكتب؟
- هل ستشمل الخطة طباعة المراجع الجامعية وكتب الأطفال أم تظل محصورة بالمناهج المدرسية؟
- ما مصدر التمويل الذي سيُخصص لمنحة التربويين, وهل سيُدرج في موازنة 2027 أم يتأجل إلى ما بعدها؟
- هل ستُقرّ آليات رقابة صارمة لمنع استنزاف هذه المكافآت عبر التسريبات الإدارية؟
تبقى هذه الملفات الثلاثة محور متابعة من قبل الشارع العراقي خلال الأشهر المقبلة, لا سيما أن قطاع التعليم والثقافة يمثل العمود الفقري لأي مشروع نهضوي, وبدون استقرار المعلم ووفرة الكتاب المحلي يبقى الحديث عن تطوير التعليم في العراق شعاراً أكثر منه واقعاً ملموساً.