كتب

حملة «مليون كتاب» لإنقاذ تراث الجنوب.. مبادرة ثقافية تعيد الاعتبار للذاكرة الورقية

في مشهد ثقافي يعيد رسم خارطة الاهتمام بالتراث المحلي، أطلقت حملة «مليون كتاب» لإنقاذ تراث الجنوب موجة واسعة من الاهتمام الإعلامي والاجتماعي داخل المملكة العربية السعودية، لتصبح واحدة من أبرز المبادرات الثقافية في عام 2026. جاءت هذه الحملة في توقيت بالغ الأهمية، إذ كشفت إحصاءات حديثة عن تراجع ملحوظ في معدلات القراءة المتعلقة بالتراث المحلي في المناطق الجنوبية، وهو ما يستدعي تدخّلاً عاجلاً قبل ضياع موروث ثقافي لا يُقدَّر بثمن.

تعود جذور هذه المبادرة إلى تقارير متتالية رصدها متخصصون في علم المكتبات والتوثيق، أكدت أن آلاف المخطوطات النادرة والكتب التراثية الخاصة بتاريخ منطقة عسير وجازان ونجران والباحة باتت مهددة بالضياع أو التلف. وقد ساهمت عوامل عدة في تفاقم هذه المشكلة، أبرزها:

  • تقدم أصحاب تلك المخطوطات في السن دون أن يجدوا من يحمل إرثهم.
  • ضعف الوعي بأهمية التوثيق الرقمي للكتب القديمة.
  • صعوبة الحصول على تمويل كافٍ لعمليات الترميم والتوثيق.
  • غياب أرشيف رقمي موحَّد يربط بين المكتبات الخاصة والعامة في الجنوب.

لذلك جاء إطلاق حملة «مليون كتاب» ليشكّل رداً عملياً على هذه التحديات، وليضع التراث الجنوبي في صدارة الأجندة الثقافية الوطنية، خاصة في ظل اهتمام المملكة المتزايد بالهوية الثقافية ضمن رؤية 2030.

أهداف المبادرة وخطواتها العملية

لا تقتصر حملة «مليون كتاب» على جمع الكتب فحسب، بل تسعى إلى بناء منظومة متكاملة لحماية التراث المكتوب في الجنوب. وتتوزع أهدافها على محاور رئيسية يمكن تلخيصها فيما يلي:

  • توثيق المخطوطات النادرة ورقمنتها وفق أعلى المعايير التقنية العالمية.
  • تدريب جيل جديد من الشباب على فنون الخط العربي والتجليد التقليدي.
  • إنشاء قاعدة بيانات رقمية مفتوحة تتيح للباحثين والمهتمين الوصول إلى المواد التراثية بسهولة.
  • إطلاق قوافل ميدانية تجوب قرى الجنوب لجمع المخطوطات والكتب القديمة من أصحابها.
  • تخصيص منح للباحثين لتشجيع الدراسات الأكاديمية حول تاريخ المنطقة وثقافاتها.

وتعتمد الحملة على شراكات مع الجامعات السعودية ومراكز الأثر والمكتبات الوطنية، إلى جانب متطوعين شباب يقومون بدور الوسيط بين كبار السن أصحاب المخطوطات والمؤسسات الثقافية.

لماذا يتفاعل الشباب مع هذه المبادرة؟

يحفل المشهد الرقمي السعودي حالياً باهتمام ملحوظ بالهوية المحلية، وهو ما يفسر التفاعل الشبابي الواسع مع حملة «مليون كتاب». فالشباب السعودي اليوم لم يعد يكتفي بالتراث الشفهي، بل يبحث عن وثائق ومخطوطات تُعزّز انتماءه وتفتح أمامه آفاقاً بحثية جديدة. كما أن إتاحة الموروث رقمياً تُعدّ فرصة لتجاوز عقبة المسافة بين المدن والقرى، إذ يستطيع أي شاب في أي مدينة الاطلاع على كنوز تراثية كانت حبيسة خزائن خاصة.

وقد أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في تضخيم أثر الحملة، إذ انتشرت مقاطع مصورة توثّق مراحل الجمع والترميم، إلى جانب قصص أصحاب المخطوطات الذين توارثوها أباً عن جدّ. وتُظهر هذه القصى أن كثيراً من الأهالي في الجنوب يحتفظون بمخطوطات عمرها يتجاوز مئتي عام، لم يرَها باحث واحد.

أثر الحملة على المشهد الثقافي السعودي

يأتي إطلاق هذه المبادرة ضمن موجة أوسع من الجهود السعودية لحماية التراث غير المادي، بعد تسجيل عدد من العناصر الثقافية في قوائم التراث العالمي لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو). ويُتوقع أن تسهم حملة «مليون كتاب» في رفع نسبة المواد التراثية المُرقمنة في الجنوب، وخلق وظائف جديدة في مجالات الترميم والتوثيق، وإعادة ربط الأجيال الجديدة بتاريخ مناطقهم بطريقة علمية منهجية.

وفي الوقت الذي تتسارع فيه التحولات الرقمية، يبقى الكتاب الورقي والمخطوط شاهداً حضارياً لا يمكن الاستغناء عنه. ولعلّ حملة «مليون كتاب» تُذكّرنا بأن حماية الذاكرة المكتوبة ليست ترفاً ثقافياً، بل ضرورة وطنية تُسهم في تشكيل هوية المستقبل من رموز الماضي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى