رفوف بلا قرّاء: كيف دفع الاقتصاد الحربي الكتاب إلى الهامش في إيران؟
عاد ملف القراءة في إيران إلى واجهة النقاش الثقافي خلال الأسابيع الأخيرة، بعد أن نشرت تقارير صحفية محلية صورة قاتمة عن واقع دور النشر وأسربت في وقت واحد عن تراجع ملحوظ في أعداد القرّاء. العنوان الأبرز الذي لفت الانتباه: رفوف بلا قرّاء.. كيف أخرجت قسوة الاقتصاد الحربي “الكتاب” من سلة الإيرانيين؟، وهو تقرير منشور عبر موقع إم دي إيست نيوز (mdeast.news) يعيد طرح سؤال قديم بوجه جديد: هل تحوّل الكتاب من ضروريات الأسرة إلى رفاهية مؤجلة؟
لماذا يتصدّر هذا التقرير ترند الأخبار الآن؟
يتقاطع هذا التقرير مع ثلاثة عوامل تجعله رائجاً في هذا التوقيت تحديداً. أولها ارتفاع أسعار الورق والطباعة والنقل في ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية، وهو ما يضرب صناعة الكتاب في الصميم. وثانيها تزامن صدوره مع موسم العودة إلى المدارس والجامعات، حيث يتوقع كثير من العائلات تكاليف إضافية. وثالثها تنامي الاهتمام العربي بتجارب القراءة في المنطقة، خاصة بعد نجاح تجارب معارض الكتب الإقليمية في استقطاب ملايين الزوار.
الاقتصاد الحربي ينهش ميزانية الأسرة
تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن تكلفة الكتاب في إيران لم تعد متناسبة مع الدخل المتاح، إذ ارتفعت أسعار الطباعة والورق والورنيش والتجليد بسبب صعوبة الاستيراد، فيما تراجعت القدرة الشرائية للعملة المحلية. النتيجة هي انكماش سوق الكتاب لصالح الترفيه المجاني عبر الهواتف والشبكات الاجتماعية، وهو ما ينعكس مباشرة على حركة المكتبات ودور النشر الصغيرة.
ما الذي يقرأه الإيرانيون بدلاً من الكتب؟
بحسب القراءات الميدانية التي يستعرضها التقرير، فإن القرّاء الذين كانوا يشترون الكتب الورقية باتوا يتجهون إلى:
- كتب إلكترونية مجانية أو منخفضة الثمن تُمحدّث أسبوعياً.
- مقاطع صوتية ومرئية طويلة بديلاً عن الروايات التقليدية.
- منصات تواصل اجتماعي تنشر ملخصات سريعة للكتب.
هذه البدائل لا تُعدّ قراءة بالمعنى المعرفي العميق، لكنها تملأ الفراغ الذي تركه ارتفاع الأسعار وتدهور القوة الشرائية.
أثر المشهد على صناعة النشر المحلية
أبرز التقرير أثرين واضحين على المشهد الإيراني. الأول هو تراجع أعداد الكتب المطبوعة في بعض الدور المستقلة وإغلاق دور صغيرة كانت تعتمد على جمهور القرّاء المتخصصين. والثاني هو لجوء عدد من الكتّاب إلى النشر الذاتي الرقمي لتجاوز تكاليف الطباعة، وهو ما يخلق حالة ازدهار ظاهري في عدد الإصدارات مقابل انكماش حقيقي في الوصول الفعلي.
قراءة المشهد في سياقه الإقليمي
حين يُقارن هذا التراجع بما يحدث في الأسواق العربية، يظهر فرق جوهري: معارض الكتب الكبرى في المنطقة، مثل معرض الرياض الدولي للكتاب ومعرض الشارقة الدولي للكتاب، تستقطب أعداداً قياسية من الزوار وتوقع صفقات حقوق ترجمة بمليارات الدولارات. هذا التباين يجعل من التجربة الإيرانية مادة خصبة للمقارنة في المشهد الثقافي العربي، إذ يطرح تساؤلات حول العلاقة بين الاستقرار الاقتصادي وازدهار صناعة الكتاب.
هل يمكن للكتاب أن يستعيد مكانته؟
يرى التقرير أن استعادة الكتاب مكانته في إيران تتطلب جملة إجراءات، أبرزها:
- دعم صناعة الورق والطباعة المحلية لكسر احتكار الاستيراد.
- إطلاق اشتراكات رقمية حكومية للكتب الإلكترونية بأسعار رمزية.
- تشجيع المكتبات المدرسية والعامة بوصفها نوافذ قراءة دائمة.
- تفعيل دور المكتبات المتنقلة والرقمية في المناطق النائية.
تبقى القراءة فعلاً تراكمياً لا يمكن تعويضه في موسم واحد، لكن أي محاولة جدية لكسر الحلقة بين تراجع الدخل وتراجع الإقبال ستكون ذات أثر ثقافي يمتد إلى ما هو أبعد من سوق الكتاب.
في المحصلة، فإن عنوان رفوف بلا قرّاء ليس مجرد تقرير عن أزمة دور نشر، بل مرآة لوضع اجتماعي واقتصادي دقيق يدفع فيه المستهلك ثمناً مضاعفاً: ثمن الكتب وثمن الخوف من المستقبل في آن واحد. وهو ما يجعل متابعة هذا الملف ضرورة لكل قارئ يهتم بمستقبل الثقافة في المنطقة.