قراءة في رواية «حبل الجدّة طوما» لعبد الوهاب عيساوي: حين يلاحق الماضي ضابطاً متقاعداً
تتصدّر رواية «حبل الجدّة طوما» للكاتب الجزائري عبد الوهاب عيساوي واجهات المكتبات وواجهات النقاش الأدبي في العالم العربي خلال شهر أيلول من عام ألفين وستة وعشرين، بعد أن عاد اسم الكاتب إلى الواجهة بفضل المعالجة الذكية لشخصية الكولونيل الفرنسي في روايته الأخيرة، تلك الشخصية التي لم تفلت من ثقل ماضيها الاستعماري رغم مرور عقود على استقلال الجزائر. وقد أثارت الرواية جدلاً واسعاً بين القرّاء والنقّاد على حدّ سواء، نظراً إلى طبيعة السرد الذي يجمع بين التوثيق التاريخاتي والسرد الروائي المعاصر.
لماذا أصبحت الرواية رائجة الآن؟
يعود سبب الاهتمام المتجدد بهذا العمل إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
- عودة الكاتب إلى ملفّ الذاكرة الاستعمارية بأسلوب جديد يتجاوز السرد التقليدي إلى فضاء التحقيق الأدبي.
- تلقي الرواية ترحيباً نقدياً واسعاً في صحيفة العربي الجديد، ما أعاد طرح اسم عيساوي في المشهد الثقافي.
- انشغال القرّاء الشباب بالبحث عن نصوص عربية تعيد قراءة المرحلة الاستعمارية بمنظور بشري بعيد عن التمجيد أو التبسيط.
نبذة عن الكاتب والرواية
عبد الوهاب عيساوي كاتب وروائي جزائري اشتغل طويلاً على الأدب المرتبط بالتاريخ الجزائري الحديث. اشتُهر بأسلوبه الذي يمزج بين التحقيق الصحفي والبناء الروائي، وهو ما يتجلّى بوضوح في «حبل الجدّة طوما» التي تستند إلى وقائع وشخصيات واقعية أعيد تشكيلها داخل فضاء السرد. تدور أحداث الرواية حول ضابط فرنسي متقاعد يُجبر على مواجهة سجلّات الماضي حين تبدأ خيوط جريمة قديمة في الظهور من جديد، ليكتشف القارئ أنّ التاريخ لا يموت بقدر ما يُعيد إنتاج نفسه في الحاضر.
ثيمة الماضي التي لا تنتهي
تتّكئ الرواية على فكرة أنّ كبار المسؤولين في الحقبة الاستعمارية لم ينجوا من أفعالهم، وأنّ العدالة المتأخرة قد تأخذ أشكالاً أخرى خارج أروقة المحاكم. هذا الطرح جعل النصّ يلقى صدى واسعاً لدى القرّاء العرب الذين يبحثون عن أدب يمسك الأسئلة الكبرى دون أن يقع في فخّ الخطابية.
ويشير النقّاد إلى أنّ نجاح عيساوي في هذه الرواية يعود إلى قدرته على رسم شخصية الكولونيل بوصفها إنساناً هشّاً ومأزوماً لا بطولياً، ما يمنح النصّ صدقية أدبية ويبعده عن الترويج المباشر أو التبسيط الأيديولوجي.
ما الذي يميّز هذا العمل عن غيره؟
تختلف «حبل الجدّة طوما» عن الأعمال المشابهة في جملة من العناصر:
- اللغة السردية الهادئة التي تعتمد على التفاصيل الصغيرة عوضاً عن المشاهد الصاخبة.
- الشخصية النسائية المحورية للجدّة طوما التي تمنح النصّ بُعداً إنسانياً يتجاوز الحسابات السياسية.
- البنية الزمنية المكسّرة التي تنتقل بين فترات مختلفة لتكشف كيف يتراكم الماضي طبقات فوق بعضها.
هذه العناصر مجتمعة تجعل الرواية قراءة جذّابة للقرّاء الذين يبحثون عن نصوص عربية معاصرة قادرة على مقاربة التاريخ بأدوات سردية متجدّدة.
أثر الرواية على المشهد الثقافي العربي
أسهمت عودة عيساوي بهذا العمل في إعادة فتح ملفّ الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية أو المتأثّر بها، وفتحت باباً للنقاش حول كيفيات تمثيل المرحلة الاستعمارية في السرد العربي الجديد. ويجمع عدد من القرّاء على أنّ النصّ ينتمي إلى موجة روائية تسعى إلى مراجعة الذاكرة من موقع إنساني بعيداً عن الثنائيات التقليدية.
وقد رحّب القرّاء على منصّات التواصل الاجتماعي بالرواية، واعتبرها كثيرون من أهمّ الإصدارات الأدبية لهذا الموسم، خصوصاً أنّها تجمع بين متعة السرد وعمق المضمون التاريخي.
لمن تصلح قراءة هذا الكتاب؟
إذا كنت من القرّاء المهتمين بالروايات التاريخية ذات الطابع التحقيقي، أو كنت تبحث عن نصّ عربي حديث يعيد التفكير في الإرث الاستعماري، فإنّ «حبل الجدّة طوما» ستلبّي هذا الفضول. كما تصلح الرواية لمن يفضّلون الأعمال التي تترك للقارئ مساحة للتفسير بدل أن تفرض عليه استنتاجاً واحداً.