كتب

أكشاك الكتب في عمّان: ذاكرة المدينة على الرصيف

تعودت شوارع العاصمة الأردنية عمّان على حضور هادئ لكنه عميق، إذ تنتشر على أرصفتها أكشاك صغيرة تبيع الكتب والمطبوعات القديمة والجديدة، وكأنها أرشيفات مفتوحة تحفظ ذاكرة المدينة وتعيد تشكيلها مع كل زائر يمرّ من أمامها. وقد عاد هذا الموضوع ليتصدّر الاهتمام في أواخر آب من عام 2026 بعد التقرير الذي نشرته قناة الجزيرة نت بعنوان «أكشاك الكتب في عمّان.. حين تحفظ الأرصفة ذاكرة المدينة»، والذي أعاد تسليط الضوء على ظاهرة ثقافية عمرها عقود، لكنها لا تزال تجدّد نفسها في مواجهة موجات القراءة الرقمية.

لماذا يتحوّل هذا الموضوع إلى ترند الآن؟

يشهد المشهد الثقافي العربي هذا العام عودة ملحوظة إلى أشكال القراءة التقليدية، خاصة في مدن كانت تُعرف تاريخياً بحركة نشر مستقلة. وتأتي عودة الاهتمام بأكشاك عمّان نتيجة ثلاثة عوامل رئيسية:

  • الإقبال السياحي المتزايد على وسط البلد وأسواقه القديمة، حيث يبحث الزائر عن تجربة ثقافية أصيلة تتجاوز المتاحف والمعالم التقليدية.
  • حملات شبابية ومبادرات تطوعية لإعادة تأهيل الأكشاك وتنظيمها، بالتعاون مع دور نشر محلية ومكتبات مستقلة.
  • التوظيف الذكي لمواقع التواصل الاجتماعي، إذ بات كثير من أصحاب الأكشاك يوثّقون مقتنياتهم النادرة عبر مقاطع قصيرة تسرّ المتابعين وتدفعهم للزيارة الميدانية.

الأرصفة بوصفها مكتبات مفتوحة

لا تقدّم هذه الأكشاك مجرد كتب للبيع، بل تقدّم تجربة متكاملة تبدأ من لحظة اختيار الكتاب على الرصيف، مروراً بالحوار القصير مع البائع الذي غالباً ما يكون قارئاً متمرساً، ووصولاً إلى الاكتشاف العفوي لعنوان غير متوقّع. وهذا ما يجعلها أشبه بمكتبات ميكروية مفتوحة لكل المارّة، وهو الدور الذي أشار إليه تقرير الجزيرة نت حين شبّه الأرصفة بذاكرة حيّة للمدينة.

الأثر الثقافي والاجتماعي

تتعدّى وظيفة هذه الأكشاك الجانب التجاري لتشمل أبعاداً اجتماعية واضحة، من بينها:

  • توفير مواد مقروءة بأسعار في متناول الجميع، بما فيها كتب الأطفال والمجلات القديمة والمنشورات الجامعية.
  • إحياء عادة تصفّح الكتب بشكل عشوائي، وهي عادة كادت تندثر مع هيمنة المتاجر الإلكترونية.
  • خلق فضاءات حوار بين القراء والمثقفين، إذ كثيراً ما تتحوّل زاوية الرصيف إلى ندوة غير رسمية حول كتاب أو فكرة.

تحديات تواجه الأكشاك في 2026

رغم هذا الحضور المتجدّد، تواجه الأكشاك تحديات عملية واضحة، أبرزها ارتفاع إيجارات المحلات في وسط البلد، وصعوبة استيراد بعض العناوين الأجنبية بسبب القيود الجمركية، فضلاً عن المنافسة المتزايدة مع منصات بيع الكتب الإلكترونية. ومع ذلك، يبدو أن كثيراً من أصحاب هذه الأكشاك اختاروا التكيّف عبر التخصص في كتب بعينها، مثل الإصدارات الأولى والروايات النادرة والكتب المدرسية القديمة.

دلالات الترند ودور القارئ العربي

يكشف هذا الاهتمام المتجدد بأكشاك عمّان عن حاجة عربية معاصرة إلى فضاءات ثقافية ملموسة خارج الشاشة، وإلى إيقاع بطيء يسمح بإعادة اكتشاف الكتاب بوصفه أداة لا غنى عنها. ومن شأن دعم هذه الأكشاك، سواء بالشراء المباشر أو بالتعريف بها عبر المنصات الرقمية، أن يسهم في الحفاظ على ذاكرة المدينة وإثراء المشهد الثقافي العربي لهذا العام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى