أوديسة نولان تشعل حماس الكوريين لقراءة ملحمة هوميروس الخالدة
في مشهد ثقافي لافت، يشهد سبتمبر 2026 موجة كورية جنوبية غير مسبوقة من الإقبال على قراءة ملحمة «الأوديسة» لهوميروس، بعد عرض فيلم المخرج كريستوفر نولان المقتبس عن الملحمة الخالدة. فما الذي فعله نولان بهذا العمل القديم حتى يعيد إحياءه في نفوس الكوريين؟ ولماذا تحولت الملحمة إلى ترند على منصات التواصل وفي المكتبات الكورية؟
الفيلم الذي أشعل الشرارة
لم يكن أحد يتوقع أن ينجح فيلم «أوديسة» لنولان في إعادة قراءة ملحمة هوميروس إلى الواجهة بهذا الشكل، لكن ما حدث أن الفيلم، الذي يعرض حالياً في صالات السينما العالمية، قدّم رؤية بصرية مذهلة جعلت المشاهد الكوري يعود إلى النص الأصلي لفهم التفاصيل التي لم تظهر في العمل السينمائي. وقد رصدت تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته «اليوم السابع»، ارتفاعاً حاداً في مبيعات الترجمات الكورية للملحمة، بل ونشاطاً واسعاً في نوادي القراءة الكورية المخصصة لمناقشة شخصيات هوميروس.
لماذا الكوريون تحديداً؟
يعود هذا الاهتمام إلى عوامل عدة، أبرزها أن القصة اليونانية القديمة تلامس قيماً إنسانية عميقة يجد فيها الكوريون صدى لحياتهم المعاصرة. فالبطل أوديسيوس، الذي يقضي سنوات طويلة في رحلة العودة إلى وطنه، يرمز إلى الصبر والإصرار والتحدي، وهي قيم تحظى بتقدير كبير في الثقافة الكورية. كما أن الفيلم، بأسلوب نولان المميز في السرد غير الخطي، دفع الكثيرين إلى البحث عن المصدر الأصلي لفهم البنية الزمنية المعقدة للقصة.
إضافة إلى ذلك، فإن الكوريين الجنوبيين لديهم شغف قديم بالأساطير اليونانية، إذ تنتشر في المدارس الكورية حصص خاصة عن الميثولوجيا العالمية، كما أن الأعمال الفنية الكورية مثل الدراما والمانهوا استلهمت كثيراً من هذه الأساطير. لذلك لم يكن غريباً أن يجد فيلم نولان أرضاً خصبة في قلوبهم، وأن يتحول إلى حافز للعودة إلى النصوص الكلاسيكية.
ماذا يجد الكوريون في ملحمة هوميروس؟
تتجاوز ملحمة «الأوديسة» كونها قصة مغامرات بحرية، فهي عمل فلسفي عميق يتناول أسئلة الهوية والولاء والانتقام والعلاقة مع الآلهة. وفي قراءة كورية معاصرة، يجد القراء في رحلة أوديسيوس تشبيهاً بالصراعات اليومية التي يعيشونها في مجتمع سريع الإيقاع، حيث يبحث الفرد عن معنى لحياته وسط الضغوط. وقد لاحظ النقاد الكوريون أن الفيلم ركّز على الجانب النفسي للبطل أكثر من الجانب الملحمي، وهو ما فتح الباب أمام قراءات جديدة للنص الأصلي.
تأثير الترند على سوق الكتب
لم يقتصر تأثير هذا الترند على القراء الأفراد، بل امتد إلى دور النشر الكورية التي أعادت طباعة الترجمات القديمة للملحمة، وأصدرت طبعات جديدة مزودة بشروحات ورسومات توضيحية تناسب الشباب. كما شهدت منصات الكتب الإلكترونية ارتفاعاً كبيراً في عمليات تحميل النص الأصلي، سواء باليونانية القديمة أو بترجمات حديثة. وفي المقاهي الثقافية في سيئول، تُعقد جلسات نقاشية أسبوعية حول شخصيات الملحمة، بمشاركة نقاد وأكاديميين متخصصين في الأدب اليوناني.
دروس مستفادة من عودة الأوديسة
ما حدث في كوريا الجنوبية يقدم درساً مهماً حول العلاقة بين السينما والأدب، فالأعمال السينمائية المبنية على نصوص كلاسيكية ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل بوابة حقيقية لإعادة اكتشاف الكتب القديمة. وقد نجح نولان، من خلال رؤيته الفنية، في جعل جيل جديد من الكوريين يلتفت إلى ملحمة عمرها آلاف السنين، ليجدوا فيها ما يشبه حياتهم اليومية.
ويبدو أن هذا الترند لن يقتصر على كوريا الجنوبية فقط، فمع استمرار عرض الفيلم عالمياً، من المتوقع أن تشهد دول أخرى موجة مماثلة من الاهتمام بقراءة هوميروس. فالأعمال الخالدة تظل قادرة على التحدث إلى كل الأجيال، إذا وجدت من يعيد تقديمها بذكاء. وفي زمن السرعة والرقمنة، تظل الأوديسة تذكيراً بأن رحلة العودة إلى الذات هي أطول الرحلات وأكثرها قيمة.