البرتغال: كيالا تسعى لإنهاء اعتبار الكتّاب السود استثناءً وجعلهم في قلب سوق النشر
شهدت الساحة الثقافية في البرتغال خلال عام 2026 حراكًا لافتًا يقوده الكاتب والناشر البرتغالي كيالا، الذي أعلن عن مشروع طموح يهدف إلى كسر الصورة النمطية التي تُصنّف الكتّاب السود في خانة الاستثناء داخل سوق النشر البرتغالي والأوروبي. يسعى هذا المشروع إلى تحويل الكاتب الأسود من مجرد ظاهرة تُشارَك أحيانًا إلى ركيزة أساسية لا يكتمل المشهد الأدبي بدونها.
جذور المشكلة: الكتّاب Blacks في أوروبا
لطالما عانى الكتّاب من ذوي الأصول الأفريقية في أوروبا من تهميش مزمن، إذ يُنظر إليهم في كثير من دور النشر الكبرى باعتبارهم كُتّابًا استثنائيين أو ثانويين، لا أن يكونوا جزءًا طبيعيًا من الخريطة الأدبية. هذا التهميش لا يقتصر على البرتغال وحدها، بل يمتد ليشمل أغلب الأسواق الأوروبية الكبرى، حيث تُهيمن روايات كُتّاب البيض على الأرفف الرئيسية، بينما تُجمَّد أعمال الكتّاب Blacks في أقسام محدودة أو تُعامَل كـ”موضة” عابرة.
كيالا، الذي يُعرف بنشاطه الدؤوب في مجال التنوع الأدبي، يرى أن هذه النظرة ليست فقط ظالمة، بل تُفقِد الساحة الثقافية ثراءً هائلاً. ويؤكد أن الأدب الأسود ليس أدبًا هوياتيًا ضيقًا، بل هو جزء أصيل من الإنتاج الفكري العالمي، يُقدّم وجهات نظر وتجارب إنسانية لا يمكن أن تُعوَّض بسرديات أخرى.
خطة كيالا لمشروع التغيير
كشف كيالا عن عدة محاور يتبناها مشروعه، يأتي في مقدمتها الضغط على دور النشر الكبرى في البرتغال لتبنّي سياسات واضحة لشراء الحقوق الأدبية من الكتّاب Blacks بنسبة لا تقل عن ثلاثين بالمائة من إجمالي إصداراتها السنوية. ويعتمد هذا الرقم على دراسات سوقية تُظهر أن نسبة الكتّاب من ذوي الأصول الأفريقية في البلاد تتجاوز هذا الرقم بكثير، بينما لا تُمثَّل سوى بنسبة ضئيلة على أرض الواقع.
كما يهدف المشروع إلى إطلاق برنامج تدريب وتأهيل للكتّاب الشباب من ذوي الأصول الأفريقية، يركز على مهارات الكتابة الإبداعية والتسويق الذاتي والتفاوض مع دور النشر. ويُميَّز هذا البرنامج بكونه مُصمَّمًا خصيصًا لتلبية احتياجات هذه الفئة التي تواجه عقبات متعددة في مسيرتها الأدبية.
دعم المؤسسات والشراكات
لجأ كيالا إلى بناء تحالفات مع جمعيات ثقافية ومؤسسات تعليمية برتغالية وأوروبية لدعم مشروعه. وتشمل هذه الشراكات ورش عمل مشتركة بين الكتّاب Blacks ونظرائهم من خلفيات متعددة، إضافة إلى تنظيم معارض كتب ومهرجانات أدبية تُبرز إنتاج الكتّاب من ذوي الأصول الأفريقية.
وجد هذا المسعى تجاوبًا ملحوظًا من بعض دور النشر الصغيرة والمتوسطة التي أبدت استعدادها لتخصيص ميزانيات خاصة لطباعة أعمال هذه الفئة. غير أن دور النشر الكبرى لا تزال تتحفظ على تبني سياسات التغيير الجذري، وهو ما يُمثّل تحديًا كبيرًا أمام تحقيق أهداف المشروع.
صدى المشروع عربيًا ودوليًا
حظيت مبادرات كيالا باهتمام متزايد من وسائل الإعلام الأوروبية والعالمية، حيث اعتبرتها تقارير عديدة نقلة نوعية في ملف التنوع داخل عالم النشر. ومن المتوقع أن يكون لهذا الحراك تأثير مباشر على مجتمعات المهاجرين الأفارقة في أوروبا، وخصوصًا الشباب منهم الذين يطمحون لدخول عالم الكتابة والإبداع.
كما لفتت هذه التحركات انتباه نشطاء ثقافيين عرب وأفارقة يعيشون في أوروبا، يرون في التجربة البرتغالية نموذجًا يمكن تعميمه على أسواق أخرى. ويأمل هؤلاء أن تُسهم مثل هذه المبادرات في إحداث تغيير حقيقي في بنية صناعة النشر العالمية، التي طالما أُغرقت في أحادية الرؤية.
تحديات مستمرة
رغم الحماس المتزايد الذي يُصاحب مشروع كيالا، إلا أن الطريق لا يزال مليئًا بالتحديات. فالعنصرية البنيوية في صناعة النشر ليست مجرد إرث تاريخي، بل تتجلى في آليات عمل يومية تشمل معايير اختيار المخطوطات وتوزيع الميزانيات التسويقية وتوزيع الكتب على المكتبات.
ويُقرّ كيالا بأن التغيير لن يأتي بين ليلة وضحاها، لكنه يُصرّ على أن كل خطوة صغيرة تقرّبه من الهدف الأكبر، وهو مجتمع نشر يُمثّل تعددية حقيقية لا صورية. ويختتم حديثه بالقول إن الأدب لا يمكن أن يُدّعى عالميًا ما دام يُقصي أصواتًا مؤثرة من نصف العالم.