كتب

المحو بذريعة الحفظ… من ينقذ الكتاب من محرقة أنثروبيك؟

شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية موجة جدل واسعة حول ما بات يُعرف بـ”محرقة أنثروبيك”، بعد تداول تقارير من مجلة “المجلة” (majalla.com) عن عمليات حذف واسعة لكتب ومؤلفات رقمية تحت دعوى الحفظ والتنظيم، الأمر الذي أثار تساؤلات حادة حول مصير الكتاب الورقي والرقمي في زمن الذكاء الاصطناعي.

القصة بدأت عندما كشفت تقارير أن شركة أنثروبيك (Anthropic) المتخصصة في تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، اتخذت إجراءات صارمة تجاه مكتبات رقمية ضخمة بحجة حماية حقوق النشر أو تحسين بيانات التدريب، لتتحول هذه الإجراءات إلى ما يشبه عملية “محو” جماعي للكتب، بدلاً من حفظها وتوثيقها كما كان مزعوماً.

لماذا يثير هذا الخبر الجدل الآن؟

الجدل ليس جديداً كلياً، لكنه تفاقم في سبتمبر 2026 بعدما تداول نشطاء وكتاب عرب لقطات ومقالات تؤكد أن أعمالاً أدبية وعلمية نادرة اختفت من منصات رقمية كانت تعتمد عليها المكتبات العربية، بينما اكتفت الشركة بتبريرات غامضة حول “أرشفة ذكية” أو “إزالة محتوى منتهي الصلاحية”.

ويرى مراقبون أن الخطر لا يقتصر على فقدان نصوص معينة، بل يمتد إلى فكرة تحكّم شركات تقنية خاصة في الذاكرة الثقافية للبشرية، فإذا كانت هذه الشركات قادرة على حذف كتاب من على خادم رقمي في ثوانٍ، فما الذي يضمن بقاء آلاف الكتب الأخرى؟

الكتاب العربي بين التهميش والمحو الرقمي

في الوطن العربي، يأخذ الجدل منحى إضافياً، حيث تعاني دور النشر الصغيرة من صعوبة مواكبة التحول الرقمي، وتجد معظم أعمالها عرضة للقرصنة أو الإهمال، ومع تصاعد سياسات الحذف الآلي، يزداد الخوف على المخطوطات والكتب النادرة التي لم تُرقمن بعد.

  • المكتبات الرقمية العربية تعتمد غالباً على منصات خارجية لا تملك قرارها.
  • غياب استراتيجية عربية موحدة لأرشفة المحتوى المعرفي.
  • الاعتماد على التطبيقات الأجنبية يجعل الكتب العربية رهينة لسياسات حذف متقلبة.

من يتحمل المسؤولية؟ الشركات أم المستخدمون؟

يرى بعض المحللين أن الشركة ليست المسؤول الوحيد، فالمستخدمون أنفسهم يساهمون في المحو عبر الثقة العمياء بالأنظمة الآلية، وعدم عمل نسخ احتياطية محلية، والاكتفاء بالقراءة عبر الاشتراكات السحابية التي يمكن إلغاؤها في أي لحظة.

في المقابل، يرى آخرون أن المسؤولية الأخلاقية تقع على عاتق الشركات الكبرى التي تمتلك إمكانيات تقنية هائلة، وكان بإمكانها تطوير أنظمة حفظ تحترم حقوق المؤلفين دون تدمير التراث المعرفي.

كيف يمكن إنقاذ الكتاب من هذا المصير؟

الرد العملي على هذا التحدي يتمثل في مبادرات مجتمعية وفردية متعددة، أبرزها:

  • إنشاء مكتبات رقمية عربية مستقلة تتبع مؤسسات جامعية أو أهلية.
  • تشجيع المؤلفين على نشر أعمالهم بصيغ مفتوحة قابلة للنسخ.
  • تعزيز ثقافة النسخ الاحتياطي الورقي والرقمي لدى القراء.
  • مطالبة الحكومات العربية بسن تشريعات تحمي المحتوى الرقمي من الحذف التعسفي.

درس أنثروبيك: التقنية ليست عدواً

لا ينبغي أن تتحول القضية إلى عداء مطلق للذكاء الاصطناعي، فهذه التقنية يمكن أن تكون أداة إنقاذ حقيقية للكتب، عبر توظيف خوارزميات ذكية لترميم النصوص التالفة، وترجمة المخطوطات، وإتاحة الوصول إليها بلغات متعددة، لكن ذلك يتطلب وضع قواعد واضحة تمنع الحذف العشوائي وتلزم الشركات بالشفافية الكاملة.

الدرس الأهم من ترند “محرقة أنثروبيك” أن الحفظ الحقيقي للكتاب يبدأ من الإنسان نفسه، وليس من الخوارزميات، فالكتاب الذي لا يقرأه أحد، ولا تحتفظ به مكتبة مستقلة، يظل مهدداً بالاختفاء مهما كانت التقنيات التي تحميه.

في النهاية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ننتظر حتى تتحول المكتبات الرقمية إلى مقابر معرفية، أم نتحرك اليوم لحماية تراثنا المكتوب؟ الإجابة تبدأ من وعينا الجماعي بأهمية الكتاب، ومن إيماننا بأن الحفظ ليس مجرد نسخ احتياطي، بل هو فعل ثقافي يومي يمارسه كل قارئ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى