حين يسأل الذكاء الاصطناعي عن وطنك… من كتب له الإجابة؟
في مشهد رقمي يتسارع فيه كل شيء، ظهرت ظاهرة غريبة تلفت الانتباه: ملايين المستخدمين حول العالم باتوا يطرحون سؤالاً بسيطاً على روبوتات المحادثة الذكية: “أين وطنك؟” أو “صف لي وطنك”. والردود التي يحصلون عليها ليست نتاج ذكاء اصطناعي عفوي، بل هي نصوص كتبها بشر، ثم تعلّمها الذكاء الاصطناعي عن طريق التدريب على ملايين الكتب والمقالات والشعر. فكيف يتذكر الذكاء الاصطناعي وطناً لم يعشه؟ ومن أين جاءت هذه الإجابات المعقدة عن الهوية والانتماء؟
المفارقة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي لا يملك مشاعر ولا ذكريات، ومع ذلك يرد بإجابات مشحونة بالعاطفة والعمق. هذا ما يطرحه التقرير الذي ناقشته صحيفة النهار في مقالها المعنون “حين يسأل العالم الذكاء الاصطناعي عن وطنك… من كتب له الإجابة؟”. المقال يستكشف العلاقة الغريبة بين المحتوى البشري المُدرَّج في بيانات التدريب وبين ما يُنتجه الذكاء الاصطناعي اليوم من نصوص عن الهوية والوطن.
من كتب هذه النصوص؟
يكمن السر في أن روبوتات المحادثة الذكية مثل تشات جي بي تي (ChatGPT) وكلود (Claude) وجيميناي (Gemini) لا تُنتج لغة من الفراغ. إنها تعتمد على تريليونات النصوص التي كُتبت على مدى عقود من قِبَل كتّاب وشعراء ومفكرين ومؤرخين. كل نص أدبي أو تاريخي أو جغرافي عن الوطن والهوية والانتماء صار جزءاً من قاعدة بياناتها. فعندما يسأل مستخدم عن وطنه، لا يبتكر الذكاء الاصطناعي شيئاً، بل يعيد تركيب ما كتبه آخرون قبل عقود.
هذا يعني أن كل إجابة تتعلق بالحب للوطن أو الحنين إليه أو وصف طبيعته هي في الحقيقة موزاييك من كتابات بشرية. الكاتب الذي وصف حقلاً في روايته، والشاعر الذي بكى فراق بلده، والمؤرخ الذيوثّق مدناً بعينها، كلهم ساهموا في بناء ما يبدو الآن كإجابة عفوية من آلة.
لماذا أصبح هذا الترند رائجاً الآن؟
السبب بسيط: الوعي المجتمعي بالذكاء الاصطناعي تزايد بشكل غير مسبوق في 2026. ملايين العرب باتوا يستخدمون هذه الأدوات يومياً، سواء في العمل أو الدراسة أو التواصل. ومع هذا الانتشار الواسع، بدأ المستخدمون يتساءلون: هل ما يكتبه الذكاء الاصطناعي حقيقي؟ وهل يمكن الوثوق بما يقوله عن موضوعات حساسة مثل الهوية والثقافة والوطن؟
كما أن موجة النقاش حول حقوق الملكية الفكرية للبيانات التدريبية أثرت في توجُّه الاهتمام نحو أصل النصوص التي يتعلم منها الذكاء الاصطناعي. فكثير من الكتّاب العرب لم يُستأذنوا في استخدام نصوصهم لتدريب هذه النماذج، مما أثار جدلاً قانونياً وأخلاقياً واسعاً.
ما الذي يجب أن تعرفه كقارئ عربي؟
- الإجابات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي عن الوطن والهوية ليست إبداعاته الخاصة، بل هي انعكاس لما كتبه بشر.
- النصوص الأدبية العربية من شعر ورواية ومقالةشكّلت جزءاً كبيراً من البيانات التي دُرّب عليها معظم النماذج اللغوية.
- الأدب العربي الكلاسيكي والحديث على حد سواء يلعب دوراً صامتاً في تشكيل ردود الذكاء الاصطناعي.
- من المهم التمييز بين المعلومة الموثقة وبين النص الأدبي الذي قد يبدو وكأنه حقيقة.
الخلاصة
في النهاية، يبدو أن الذكاء الاصطناعي ليس إلا مرآة كبيرة لما كتبه البشر على مر العصور. حين يسأل العالم آلة عن وطنه، فإنه في الحقيقة يستقبل إجابات ألفها كتّاب ومفكرون قبل عقود. الوعي بهذا الواقع يجعلنا نتعامل مع مخرجات الذكاء الاصطناعي بعين ناقدة، ونتذكر دائماً أن خلف كل إجابة براقة من آلة، قلم إنسان.