خلاف الكتبيين والناشرين يشتعل قبيل الموسم الدراسي بسبب هوامش الربح والأسواق العشوائية
تعيش المكتبات في مختلف المدن العربية هذه الأيام حالة من التوتر المتصاعد، إذ عاد الخلاف التقليدي بين الكتبيين والناشرين إلى الواجهة مع اقتراب الموسم الدراسي الجديد في عام 2026. تعود جذور الأزمة إلى ملفات شائكة تتكرر سنوياً، أبرزها هوامش الربح المتفاوتة، وتدفق الأسواق العشوائية بالكتب المقلدة والمعادة التدوير، وغياب آليات واضحة لتسعير المناهج.
أسباب الاحتدام قبيل الدخول المدرسي
يرى الكتبيون أن هامش الربح المخصص لهم تراجع في السنوات الأخيرة إلى مستويات لم تعد تغطي نفقات التشغيل والإيجار والعمالة، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف الورق والشحن. في المقابل، يؤكد ناشرو كتب المنهاج أنهم يواجهون ضغوطاً مشابهة، وأن ارتفاع أسعار المدخلات الإنتاجية انعكس على سلاسل التوريد بأكملها.
تتضافر هذه المعطيات لتخلق بيئة مواتية لاندلاع المواجهات في كل موسم دراسي، غير أن هذا العام يبدو أكثر حدة بسبب عوامل جديدة أبرزها:
- انتشار طبعات مزورة من الكتب المدرسية تُباع بأسعار منخفضة وتضرّ بحقوق الناشرين والكتبيين معاً.
- تباين التسعيرة الرسمية المعتمدة بين منطقة وأخرى، ما يخلق فجوة يستغلها باعة الأسواق العشوائية.
- تأخر بعض المؤسسات التعليمية في اعتماد القوائم النهائية للكتب، فيضطر الكتبيون إلى الشراء المسبق بكميات كبيرة على ذمة الموسم.
- دخول منصات بيع إلكترونية جديدة على خط توزيع الكتب المدرسية، ما أعاد رسم موازين المنافسة.
تداعيات الخلاف على المستهلك
لا يخفى أن المستهلك، أي ولي الأمر والطالب، هو الطرف الأكثر تضرراً من هذا الاحتقان. فعندما تتعطل سلاسل الإمداد النظامية، يلجأ كثير من الأهالي إلى الأسواق الموازية بحثاً عن كتب بأسعار أقل، فيجدون أنفسهم أمام طبعات قديمة أو منقوصة، وأحياناً أمام نسخ مقلدة لا تعكس المنهج الفعلي.
كما أن غياب سياسة تسعير موحدة وموثوقة يضع الأسر في حيرة دائمة، إذ تتفاوت أسعار الكتاب الواحد من مكتبة إلى أخرى بفوارق ملموسة، ما يضرب مبدأ الشفافية ويشجع على المضاربة.
المسارات المتوقعة للحل
تتجه أصوات كثيرة في القطاع إلى المطالبة بلجنة تفاوض دائمة تضم ممثلين عن الناشرين والكتبيين ووزارة التعليم، مهمتها وضع هامش ربح عادل ومُلزم، وضبط أسعار بيع الكتب المدرسية، وملاحقة الأسواق العشوائية التي تبيع مطبوعات منتهية الصلاحية أو مقلدة.
ويشير متابعون إلى أن الحلول التقنية باتت متاحة، إذ يمكن اعتماد أنظمة رقمية لتتبع الكتاب المدرسي من المطبعة حتى الطالب، بحيث يُمنع أي تاجر من بيع نسخ من خارج القنوات الرسمية. كما أن نشر القوائم المعتمدة في وقت مبكر يخفف من حدة المضاربة الموسمية.
لماذا يتصدّر الترند الآن
يأتي تجدد الاهتمام بهذا الملف في توقيت حساس، إذ تنطلق الدراسة خلال أسابيع قليلة في أغلب الدول العربية، وتبدأ الأسر في البحث عن الكتب المدرسية وترتيب ميزانياتها. وتعيد منصات التواصل الاجتماعي في كل موسم إشعال الجدل عبر شهادات مباشرة من الكتبيين يتحدثون عن خسائرهم، ومن الأهالي يشتكون من الأسعار والطبعات المقلدة. ويمنح هذا الزخم الإعلامي للقضية حضوراً يومياً في الأخبار المحلية، لتنتقل إلى خانة الترند قبل أسابيع من عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة.
يبقى الرهان الأكبر على قدرة الأطراف المعنية على تحويل هذا الخلاف الموسمي إلى حوار هيكلي يضمن للكتبي هامشاً عادلاً، وللطالب كتاباً أصلياً بسعر منطقي، وللأسرة تجربة شراء بعيدة عن عشوائية الأسواق الموازية.