كتب

رفوف بلا قرّاء.. كيف أخرجت قسوة الاقتصاد الحربي الكتاب من سلة الإيرانيين؟

تحوّل الكتاب في إيران، خلال الأشهر الأخيرة، من بضاعة ثقافية إلى عبء على ميزانية الأسرة، بعد أن أدّت موجة الغلاء وتراجع القدرة الشرائية إلى انكماش واضح في حركة الشراء داخل المكتبات العامة والخاصة. تقرير نشرته شبكة الجزيرة نت بعنوان «رفوف بلا قرّاء.. كيف أخرجت قسوة الاقتصاد الحربي الكتاب من سلة الإيرانيين؟» أعاد تسليط الضوء على واقع سوق النشر هناك، في ظل اقتصادٍ يخوض صدمات متلاحقة بسبب التوترات الإقليمية والعقوبات الدولية.

لماذا صار الكتاب أول ضحية؟

يرى اقتصاديون ومتابعون للشأن الإيراني أن الكتاب يقع في مرتبة متأخرة ضمن أولويات الإنفاق، لا لأنه فقد قيمته المعرفية، بل لأن سعر الورق والحبر والتوزيع ارتفع بشكل حاد، بينما ظلت الدخول الشهرية للطبقة الوسطى شبه ثابتة. النتيجة أن كثيرين باتوا يفضّلون تأجيل شراء الروايات والمؤلفات الفكرية لصالح السلع الأساسية، وعلى رأسها الغذاء والدواء.

  • ارتفاع تكاليف الإنتاج: الورق المستورد يشكّل العمود الفقري لسلسلة النشر، وأي اضطراب في الاستيراد ينعكس مباشرة على سعر الغلاف.
  • تراجع القوة الشرائية: الأجور لم تواكب التضخم، فأصبح الكتاب سلعة ترفيهية مؤجلة.
  • تأثير الاقتصاد الحربي: الأولوية للإنفاق الدفاعي والأمني، وهو ما يحدّ من الدعم الموجه للثقافة والتعليم.

انعكاسات المشهد على القارئ العربي

ما يجري في إيران ليس معزولاً عن محيطه الإقليمي. ارتفاع أسعار الورق عالمياً، وتذبذب أسعار الشحن، جعلا كثيراً من دور النشر العربية تتردد في إعادة طباعة بعض العناوين أو استيراد الإصدارات الأجنبية. وبالتالي، فإن أي ضربة تضرب سوق الكتاب في بلد بحجم إيران سرعان ما تتسرّب إلى المنطقة، سواء على صعيد توفر الإصدارات أو على صعيد الأسعار.

الاقتصاد الحربي وتأثيره على الثقافة

حين تُوجَّه موارد الدولة إلى الجبهة الأمنية، تتآكل ميزانيات وزارات الثقافة والإعلام والتعليم تدريجياً. هذا النمط ليس جديداً على المنطقة، إذ شهد العالم العربي نفسه، في سنوات سابقة، موجات من تقليص دعم الكتاب والمكتبات العامة لصالح بنود أخرى. غير أن حالة إيران تكتسب طابعاً خاصاً لأنها تأتي في سياق حروب باردة وساخنة متشابكة، ما يجعل خيار شراء الكتاب يتراجع في قائمة الاحتياجات اليومية.

ماذا يقرأ الإيرانيون اليوم؟

تشير المعطيات الميدانية إلى أن الجمهور المتبقي داخل المكتبات يميل بشدة إلى:

  • الكتب الدينية المبسّطة والصغيرة الحجم، لانخفاض ثمنها النسبي وسهولة توزيعها.
  • الكتب الدراسية المساعِدة التي يطلبها أولياء الأمور تحضيراً للامتحانات.
  • الإصدارات الرقمية المجانية أو شبه المجانية عبر تطبيقات القراءة، وهو ما يحوّل نسبة من الجمهور من الورقي إلى الشاشة.

في المقابل، تراجعت مبيعات الروايات الحديثة والمؤلفات الفكرية والسياسية، التي كانت تشكّل تاريخياً رافعة أساسية لحركة التأليف في طهران ومدن كبرى مثل أصفهان وكرج.

دلالات المشهد الراهن

يختصر تقرير الجزيرة نت صورة أوسع: حين تنشغل دولة بالحرب وأعبائها، يدفع الكتاب الثمن أولاً، لأن الكتاب سلعة «ناعمة» قابلة للتأجيل. هذا التحول يعيد طرح سؤال قديم حول موقع الثقافة في أولويات الإنفاق العام، ليس في إيران وحدها، بل في كل دولة تمر بأزمات اقتصادية مركّبة.

ويبقى السؤال الأبرز، بالنسبة إلى القارئ العربي الذي يتابع أخبار المنطقة: هل نشهد موجة إقليمية جديدة من تراجع الإقبال على الكتاب، أم أن التحوّل الرقمي سيعوض جزئياً ما يخسره السوق الورقي؟ الإجابة ستتضح خلال الأشهر القادمة، لكن المؤكد أن رفوف المكتبات، حيثما وُجدت، باتت تعكس بدقة ما يجري في اقتصاد الدول، قبل أن تعكس ذائقة القراء أنفسهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى