شاعر ينتقد «مجانية» حفلات توقيع الكتب.. ويدعو لتسعير النسخة بـ 10 ريالات
أثارت تصريحات الشاعر العربي حول حفلات توقيع الكتب جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية خلال الساعات الماضية، حيث انتقد الشاعر ما وصفه بـ«مجانية» هذه الحفلات، مطالباً بتسعير النسخة الواحدة من الكتب بعشرة ريالات كحد أدنى. هذا الترند الذي تصدّر مواقع التواصل الاجتماعي في المملكة العربية السعودية، أعاد فتح النقاش حول قيمة العمل الأدبي وكيفية تقديره مادياً.
الشاعر، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه في البداية، قال في منشور له عبر منصة إكس: «حفلات توقيع الكتب التي تقام في المعارض والمكتبات أصبحت مجانية بالكامل، والجمهور يحصل على الكتب دون دفع أي مبلغ، وهذا يقلل من قيمة الجهد الأدبي». وأضاف: «لو تم تسعير النسخة بعشرة ريالات فقط، لكان ذلك خطوة أولى نحو تقدير الكتاب العربي واحترام وقت الكاتب». هذه التصريحات جاءت بالتزامن مع إقامة عدد من معارض الكتب في المملكة والخليج، مما زاد من تفاعل المتابعين مع القضية.
لماذا أثار هذا الترند الجدل الآن؟
يعود صعود هذا الترند إلى عدة عوامل متزامنة، منها قرب انطلاق الموسم الثقافي في السعودية، حيث تشهد الفترة الحالية تنظيم معارض كتاب إقليمية وعالمية. كما أن الجدل يرتبط بتحولات صناعة النشر في المنطقة، حيث ارتفعت تكاليف الطباعة والتوزيع، بينما يظل القارئ العربي يعتاد على الحصول على الكتب مجاناً في بعض الفعاليات الثقافية. ويأتي حديث الشاعر ليعبّر عن حالة من الإحباط المتراكم لدى المثقفين والكتّاب من تدني العائد المادي للعمل الأدبي.
وتشير مصادر إعلامية إلى أن الفعاليات الثقافية في السعودية تشهد إقبالاً كبيراً، لكنها تعتمد بشكل أساسي على التمويل الحكومي أو الرعاية التجارية، مما يجعل الكتب تُقدَّم مجاناً كوسيلة لزيادة الحضور. وهذا ما انتقده الشاعر، مؤكداً أن المجانية لا تعكس القيمة الحقيقية للكتاب، بل تحوّل الأديب إلى مجرد أداة ترويجية.
مواقف مؤيدة ومعارضة
انقسم المتفاعلون حول هذه القضية إلى فريقين: فريق أيّد دعوة الشاعر، معتبراً أن تسعير الكتب بعشرة ريالات يعد حلاً وسطاً يرضي الجميع، حيث لا يثقل كاهل القارئ، وفي الوقت نفسه يعطي قيمة رمزية للكتاب. ومن أبرز ما جاء في التأييد:
- أن المجانية تخلق ثقافة «الاستهلاك غير المقدَّر» لدى البعض، حيث تُقتنى الكتب دون قراءتها.
- أن الكاتب يبذل جهداً كبيراً يستحق مقابلاً مادياً ولو رمزياً.
- أن تسعير النسخة يساهم في رفع جودة المحتوى المقدم، لأن الكاتب سيشعر بأن عمله موضع تقييم حقيقي.
في المقابل، يرى معارضون أن فرض رسوم على حفلات توقيع الكتب قد يقلل من إقبال الجمهور، خاصة الشباب والطلاب الذين يعانون من ضغوط مالية. كما أشار البعض إلى أن المجانية في بعض الأحيان تكون وسيلة دعائية فعالة، إذ تتيح للكاتب انتشار أوسع ووصولاً لجمهور أكبر، وهو ما قد يعود عليه بعوائد أعلى على المدى البعيد من خلال المبيعات الرقمية أو حقوق الترجمة.
السياق الأوسع: أزمة صناعة النشر العربية
تأتي هذه التصريحات في وقت تعاني فيه دور النشر العربية من تحديات كبيرة، أبرزها انخفاض معدلات القراءة، وارتفاع أسعار الكتب، ومنافسة المحتوى الرقمي المجاني. ووفق تقارير صادرة عن اتحاد الناشرين العرب، فإن متوسط قراءة الفرد العربي لا يتجاوز ربع صفحة سنوياً، وهو معدل منخفض جداً مقارنة بالدول المتقدمة. وبالتالي، فإن طرح الشاعر لفكرة التسعير الرمزي قد يُفهم كجزء من محاولة أوسع لإعادة هيكلة العلاقة بين القارئ والكتاب.
كما أن هذا الجدل يلامس قضية أعمق تتعلق بحقوق الملكية الفكرية، حيث أن تقديم الكتب مجاناً في الفعاليات قد يرسخ ثقافة «الكتاب المجاني» التي تضرب صناعة النشر في مقتل، خاصة في ظل انتشار القرصنة الرقمية. لذلك، يطالب بعض المثقفين بضرورة وضع سياسات واضحة لدعم الكتّاب، مثل تخصيص جزء من ميزانية الفعاليات الثقافية لشراء نسخ من الكتب وتوزيعها على المكتبات العامة، بدلاً من تقديمها مجاناً بشكل مباشر.
ماذا يعني هذا الترند للقارئ العربي؟
بالنسبة للقارئ العربي، فإن هذه النقاشات ليست مجرد رفاهية فكرية، بل تمس علاقته اليومية بالكتاب. فإذا تم اعتماد التسعير الرمزي، فقد نرى تغيراً في طبيعة حفلات التوقيع، حيث تصبح أكثر انتقائية واهتماماً بالجودة، بدلاً من كونها فعاليات شكلية لتوزيع الهدايا. كما أن هذه الدعوة قد تفتح الباب أمام مبادرات جديدة، مثل إنشاء منصات إلكترونية متخصصة لبيع الكتب الموقعة بأسعار رمزية، وهو ما يمكن أن يكون حلاً وسطاً يرضي جميع الأطراف.
من جهة أخرى، يجب أن يدرك المثقفون أن الجمهور العربي ما زال ينظر إلى الكتاب كسلعة ثقافية لا ينبغي أن تخضع لقوانين السوق الصارمة، ولذلك فإن أي تسعير يجب أن يكون مصحوباً بحملات توعية تشرح أهمية دعم الكتّاب، وتوضح أين تذهب الأرباح. ففي تجارب دولية مثل معرض فرانكفورت للكتاب، تُباع نسخ التوقيع بأسعار مرتفعة، لكن جزءاً من العائد يذهب للأعمال الخيرية، وهو ما يخلق توازناً بين القيمة التجارية والرسالة الثقافية.
الخلاصة: نحو ثقافة كتابية أكثر استدامة
يبدو أن دعوة الشاعر لتسعير النسخة بعشرة ريالات ليست مجرد رأي عابر، بل هي جزء من نقاش أوسع حول كيفية بناء ثقافة كتابية مستدامة في العالم العربي. فمع تزايد الاهتمام الحكومي بالقطاع الثقافي في السعودية ورؤية 2030، أصبح من الضروري إيجاد نماذج اقتصادية تدعم المبدعين دون أن تحرم الجمهور من الوصول للمعرفة. وربما يكون الحل في نظام «التسعير الرمزي» الذي يجمع بين الاستدامة المالية والانتشار الواسع.
في النهاية، يبقى هذا النقاش مفتوحاً على كل الاحتمالات، ولا شك أن تفاعل الجمهور مع الترند سيجعل صناع القرار الثقافي يعيدون النظر في سياساتهم تجاه حفلات التوقيع. فهل يتحول هذا الجدل إلى واقع ملموس في معارض الكتب القادمة؟ الأيام القادمة كفيلة بالإجابة.