طباعة المناهج بالعراق: مليارات سنوياً تثير جدل التدوير والعقود الخارجية
أعاد تقرير نشره مشروع النزاهة في العراق (إنيرج) إلى الواجهة ملف طباعة المناهج الدراسية، بعد أن كشف أن المبالغ المصروفة سنوياً على هذا الملف تتجاوز المليارَي دولار، في وقت تتكرر فيه الشكوى ذاتها عاماً بعد عام: لماذا لا تستفيد المطابع المحلية من هذه الطلبية الضخمة، ولماذا تتجه عقود الطباعة إلى شركات خارجية؟
خلفية الملف
يمر ملف طباعة المناهج في العراق بمسار طويل يبدأ من وزارة التربية وينتهي عند المطبعة التي تتولى التنفيذ. وتتوزع الطلبية عادة بين مطبوعات المرحلة الابتدائية والمتوسطة والإعدادية، إضافة إلى الكتب الخارجية والمصادر المساعدة. ومع حجم الطلب الذي يلامس عشرات الملايين من النسخ، تتحول العملية إلى عقد مالي ضخم تتداخل فيه الحسابات التجارية والسياسية.
أين تذهب المليارات؟
توضح المعطيات أن الكلفة الإجمالية لطباعة المناهج في دورة دراسية كاملة تراوح بين مليارَيْ دولار وثلاثة مليارات، بحسب عدد الصفوف والنسخ المطلوبة. وتتضمن البنود عادة:
- كلفة الورق المستورد، إذ يعتمد أغلب الإنتاج على ورق ذي جودة محددة.
- أجور الطباعة والتغليف والشحن إلى المحافظات.
- التصميم والإخراج الفني للكتب.
- التخزين والتوزيع عبر المنافذ الرسمية.
وعند غياب الشفافية في تفاصيل العقود، تتحول هذه البنود إلى مادة للتكهن، لا سيما حين تبرز مقارنة بسيطة بين الكلفة المعلنة وكلفة النسخ المطبوعة محلياً.
ما المقصود بالتدوير؟
يستخدم التقرير مفردة «التدوير» لوصف ظاهرة تكرار طباعة كتب بعينها من دون مبرر واضح، إذ تُعاد طباعة بعض المناهج بعد مرور عام أو عامين بطبعات جديدة تحمل تصميماً متقارباً، في وقت يطالب فيه كثير من المعلمين وأولياء الأمور بالاكتفاء بالنسخ المتوفرة. ويرى مراقبون أن هذا النمط يستنزف الميزانية ويعزز الشكوك حول وجود آلية صارمة لاحتساب الاحتياج الفعلي من النسخ.
إقصاء المطابع العراقية
من أكثر النقاط حساسية في التقرير إشارة إلى أن أغلب العقود تذهب إلى مطابع خارج العراق، وتحديداً في دول الجوار، في حين تتسع رقعة المطابع الأهلية والحكومية المحلية القادرة على تلبية جزء كبير من الطلبية. ويطرح هذا التساؤل جملة من الأسئلة العملية:
- هل الكلفة التشغيلية للمطابع العراقية أعلى فعلاً من نظيراتها الخارجية؟
- هل ثمة مواصفات فنية لا تتوافر محلياً؟
- أين تذهب أموال تشغيلية يمكن أن تذهب إلى الداخل إذا أُعيد توزيع العقود؟
الأسئلة التي يطرحها الملف
يفتح التقرير باباً واسعاً أمام النقاش، ليس فقط حول كلفة الطباعة، بل حول دور المناهج في العملية التعليمية أصلاً. فالمبالغ التي تُنفق سنوياً تلامس ما تخصصه بعض الوزارات لرواتب عشرات الآلاف من المعلمين، وهو ما يجعل تدقيقها ضرورة لا ترفاً. ومن أبرز الأسئلة التي تتكرر في النقاش العام:
- هل يمكن اعتماد طباعة جزئية للكتب الأكثر طلباً محلياً؟
- ما مدى الحاجة إلى إعادة طباعة كتب لم تتغير محتوياتها؟
- كيف يمكن ضمان الشفافية في إعلانات العطاءات؟
- ما أثر غياب الرقمنة الكاملة على استمرار الإنفاق بهذا الحجم؟
لماذا يتكرر الجدل كل عام؟
تتكرر الشكوى في مطلع كل موسم دراسي تقريباً، إذ تبدأ المناقشات قبل توزيع الكتب، ثم تتصاعد مع تأخر وصولها إلى المدارس، وتصل إلى ذروتها حين تتسرب أرقام العقود الجديدة. ومع كل دورة، تعود الأسئلة ذاتها من دون إجابات موثقة، وهو ما يحوّل الملف إلى موضوع رأي عام ثابت في حقل التعليم.
ما الذي يحتاجه الملف اليوم؟
يقترح متابعون أن تتجاوز المعالجة حدود الطعن بالعقود إلى خطوات عملية، من بينها:
- نشر تفاصيل العقود والجهات المنفذة بشفافية.
- إعادة تقييم جدوى طباعة بعض الكتب كل عام.
- فتح باب شراكة حقيقية مع المطابع العراقية المؤهلة.
- تطوير مسار تدريجي للتحول الرقمي يخفف العبء على المطبوعات.
يبقى السؤال الأكثر حساسية في الواجهة: هل تتحول هذه الطلبية الضخمة إلى فرصة لإنعاش قطاع الطباعة المحلي، أم تستمر كما هي عقوداً تذهب إلى الخارج بصرف النظر عن جدواها الاقتصادية؟ وما لم تُقدَّم إجابة رسمية واضحة، سيظل الملف واحداً من أكثر الملفات إثارة للجدل في كل موسم دراسي، وستظل الأرقام المليارية حديثاً يتكرر في البلاد كل عام.