مخطوطات غزة تحت الركام: ذاكرة تواجه خطر الاندثار
في ظلّ المشهد الثقافي لهذا العام 2026، عاد إلى الواجهة ملفٌ تراثي حسّاس يتعلّق بمخطوطات غزة القديمة المطمورة تحت أنقاض المباني المهدّمة. التقرير المنشور عبر «سكاي نيوز عربية» يسلّط الضوء على هذه المخطوطات بوصفها شهادات مكتوبة على ورق وكراسات، تتوزّع بين أرشيفات عائلية ومكتبات عامة، وتشكّل جزءاً من الذاكرة الأدبية والعلمية للمدينة.
تعود أهمية هذه المخطوطات إلى كونها وثائق تاريخية لمدينة كانت مركزاً ثقافياً وتجارياً على مدى قرون، إذ تضمّ نصوصاً شرعية وأدبية وعلمية، إضافة إلى سجلّات تجارية ومحاسبية. وحين تتعرّض مدينة مكتظة بالموروث المكتوب لدمار واسع في بناها ومؤسساتها، فإنّ أثر ذلك يمتدّ إلى المخطوطات نفسها، سواء عبر تلف مباشر أو تبعثر أو ضياع السياق الذي يحفظها.
لماذا يُعدّ هذا الملفّ رائجاً الآن؟
تتضافر ثلاثة عوامل في صعود هذا الترند:
- تزايد الاهتمام العالمي بالتراث الثقافي المهدّد، خصوصاً في مناطق النزاع، وهو ما تعكسه تقارير المؤسسات الدولية العاملة في حماية الموروث.
- ارتباط الموضوع بقضية إنسانية وثقية ذات بُعد رمزيّ، إذ تمثّل المخطوطات حلقة وصل بين ماضي غزة وحاضرها.
- دور وسائل الإعلام ومنصات التواصل في إعادة إحياء قصص المخطوطات والقطع الأثرية المفقودة، وهو ما يدفع الجمهور العربي إلى البحث عن تفاصيل جديدة بانتظام.
أين تكمن خطورة الاندث؟
تتشكّل المخاطر على ثلاثة مستويات. First: التلف المادي بسبب الرطوبة والعفن الذي يصيب الورق المحبوس تحت الأنقاض لسنوات، إذ يتطلّب الأمر فرقاً متخصصة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يتحوّل إلى كتلة غير قابلة للقراءة. Second: ضياع الإطار المعلوماتي الذي يمنح النصّ معناه، كتواريخ النسخ وأسماء الناسخين والأماكن، وهي بيانات لا تُستعاد بسهولة حين تضيع. Third: خطر التشتت، إذ تتوزّع أجزاء من المخطوطات بين أيدي أفراد لم يُدركوا قيمتها الكاملة في البداية.
جهود الإنقاذ والتوثيق
تقوم عدة مبادرات محلية ودولية بمحاولات إنقاذ منهجية، أبرزها:
- عمليات مسح ميدانية لتحديد مواقع المكتبات والأرشيفات العائلية التي طُمِرت تحت الركام.
- الاستعانة بمختصين في الترميم الرقمي لفكّ أغلفة المخطوطات وتصويرها قبل أيّ تدخّل كيماوي أو حراري.
- بناء قواعد بيانات رقمية تسمح للباحثين بقراءة النصوص دون الحاجة إلى نقل الورق نفسه.
تعمل هذه الخطوات ضمن شبكة من المكتبات الجامعية ومراكز الأرشفة، إضافة إلى مبادرات أهلية تحفظ ما تيسّر من الوثائق في صناديق مقاومة للرطوبة، بانتظار نقلها إلى مؤسسات أكثر ملاءمة.
دلالة المخطوطات في وعي الأجيال الجديدة
تعيد هذه القضية طرح سؤال الثقافة عند الجيل الشاب العربي، الذي اعتاد على المعلومة السريعة عبر الشاشات. إن العودة إلى مخطوط عمره مئات السنين يروي تفاصيل الحياة اليومية لمدينة بحجم غزة تمنح الشباب فرصة لإدراك أنّ ذاكرة المدن لا تُختصر في صور الشوارع وحدها، بل تمتدّ إلى خطوط النسّاخين وأقلامهم. ومن هنا تتأكّد القيمة التوثيقية للتراث المكتوب بوصفه مرجعاً يُقرأ لا متحفاً يٌزار فقط.
يبقى الرهان الأكبر على تحويل هذا الاهتمام اللحظي إلى مشاريع مستدامة لحفظ المخطوطات رقمياً ومادياً، حتى لا تتحوّل المخطوطات من ذاكرة حيّة إلى أثر مندثر تُذكره العناوين ثم ينطفئ بريقها.