مليارات الطباعة تثير جدلاً واسعاً: لماذا تُقصى المطابع العراقية من عقود المناهج؟
شهدت الساحة الثقافية والإعلامية في عام 2026 حراكاً غير مسبوق حول ملف طباعة المناهج الدراسية في المنطقة العربية. فالعقود السنوية التي تُخصَّص لطباعة ملايين النسخ من الكتب المدرسية باتت محط تساؤلات واسعة، لا سيما بعد أن كشف نشطاء وصحفيون عن شبهات تتعلق بما يُعرف بـ”التدوير” في توزيع هذه العقود، إضافة إلى غموض التسعيرة المتذبذبة والاستعانة بمطابع خارج الحدود في وقت تُهمَّش فيه المطابع المحلية في عدد من الدول.
أين تذهب مليارات الطباعة؟
تتحدث تقديرات غير رسمية عن مبالغ تصل إلى مليارات الدولارات تُنفَق سنوياً على طباعة المناهج الدراسية في العالم العربي وحده. هذا الرقم الضخم يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول آليات صرف هذه الأموال ومن يتحكم في توزيعها. فالمنافسات على هذه العقود عادةً ما تكون محصورة بين جهات محددة، مما يثير الشكوك حول مدى شفافية عملية الترسية ومدى وجود ضغط من جماعات مصالح تضميد.
ظاهرة التدوير وأثرها على الأسعار
مصطلح “التدوير” أصبح يتردد بكثرة في أروقة هذا الملف، ويقصد به إعادة ترسية نفس العقود على شركات أو مطابع بعينها بشكل دوري دون فتح باب المنافسة الحقيقية. هذا النهج يُفضي بالضرورة إلى ارتفاع الأسعار لأن غياب المنافسة يُضعف أي ضغط لتخفيض التكاليف، كما يُغلق الباب أمام أي محاولة لإدخال تحسينات نوعية على المنتج النهائي. وتتحمل الأسر والطلاب تبعات هذا الغموض في التسعيرة، إذ تجد نفسها أمام كتب بأسعار مرتفعة دون أن تدري لماذا.
إقصاء المطابع المحلية
من أكثر النقاط إثارة للجدل هو استبعاد مطابع عراقية مرموقة من نيل عقود طباعة المناهج رغم امتلاكها لخبرات طويلة وكفاءات عالية في هذا المجال. فالصناعة الطباعية العراقية لها تاريخ عريق يمتد لعقود، لكن يبدو أن المعايير المعتمدة في الترسية لا تأخذ بعين الاعتبار هذه الخبرة أو تُبقيها خارج دائرة المنافسة بشكل متعمد. هذا الإقصاء أثار موجة استياء واسعة في الأوساط الثقافية العراقية والعربية على حد سواء، وذهب بعض المحللين إلى اعتباره قراراً سياسياً بالدرجة الأولى قبل أن يكون اقتصادياً.
العقود الخارجية: هل هي ضرورة أم إهدار؟
في المقابل، برر البعض الاستعانة بمطابع خارجية بانشغال المطابع المحلية وعدم قدرتها على تلبية الحجم الضخم المطلوب في مواعيد محددة. لكن مراقبين يرون أن هذا التبرير لا يرقى إلى مستوى الحجة المقنعة، إذ إن هناك دولاً عربية تمتلك طاقات طباعية هائلة قادرة على استيعاب هذه الكميات بسهولة. السؤال الحقيقي يبقى: هل تُعطى الأفضلية فعلاً للجودة والسعر أم لعلاقات تجارية ومصالح خاصة؟
ما الذي يجب أن يتغير؟
يطالب مراقبون بإصلاح جذري لمنظومة ترسية عقود طباعة المناهج، وذلك عبر عدة خطوات عملية. الأولى هي الشفافية الكاملة في إعلان شروط المنافسة ونتائج الترسية حتى يكون لكل الأطراف حق الاطلاع والمساءلة. الثانية هي مراجعة أسعار الطباعة بشكل دوري ومقارنتها بالأسعار العالمية السائدة. الثالثة هي إتاحة الفرصة أمام جميع المطابع المؤهلة للمنافسة بغض النظر عن جنسيتها أو انتماءاتها. أما الخطوة الرابعة فتتمثل في رقابة شعبية ومهنية مستمرة على هذا الملف الحيوي الذي يمس ملايين الأسر.
خاتمة
إن ملف طباعة المناهج ليس مجرد مسألة إدارية روتينية، بل هو قضية تمس التعليم والاقتصاد والعدالة في آن معاً. مليارت الطباعة السنوية تستحق رقابة صارمة ومسائلة حقيقية، والشعوب العربية تستحق أن تعرف أين تذهب هذه الأموال ومن يتحمل مسؤولية صرفها. والأهم من ذلك أن المطابع المؤهلة والمحترمة تستحق فرصة عادلة للمنافسة بعيداً عن المحسوبيات وميادين المصالح الضيقة.