التراث السوري في معرض إدلب للكتاب.. ذاكرة المحافظات في صفحات الكتب
يشهد معرض إدلب للكتاب هذا العام حضوراً لافتاً للتراث السوري العريق، حيث تتحول صفحات الكتب إلى نوافذ تطل منها ذاكرة المحافظات السورية بكل تفاصيلها الحية. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى هذا الحدث الثقافي المهم، تبرز أهمية التوثيق المكتوب في حفظ الهوية الوطنية، خاصة في ظل التحديات التي تواجه التراث اللامادي والمادي على حد سواء. وقد أولت وكالة الأنباء السورية (سانا) هذا الترند اهتماماً خاصاً، مما جعله يتصدر قائمة الأخبار الرائجة في قسم الكتب اليوم الجمعة الثامن عشر من سبتمبر 2026.
لماذا يعد معرض إدلب للكتاب حدثاً استثنائياً هذا العام؟
يأتي هذا المعرض في توقيت بالغ الأهمية، حيث تتعاظم الحاجة إلى إبراز الهوية الثقافية السورية في وجه محاولات طمسها. لم يعد المعرض مجرد منصة لعرض الكتب وبيعها، بل تحول إلى فضاء واسع للحوار حول التراث، يستقطب المثقفين والمهتمين من مختلف المحافظات. وتكمن راهنيته في كونه يجسد حالة من التلاحم بين الماضي والحاضر، حيث تلتقي الحكايات الشعبية بالدراسات الأكاديمية الموثقة، ليروي كل كتاب قصة مدينة من المدن السورية بعاداتها وتقاليدها وحرفها المتوارثة.
ذاكرة المحافظات: كتب تحفظ الهوية من الاندثار
تتجلى أهمية هذا المعرض في كونه يساهم في حفظ الذاكرة الجمعية للسوريين، حيث تقدم الكتب المعروضة صورة بانورامية عن التنوع الثقافي الغني الذي تمتاز به المحافظات السورية. فمن حلب إلى دمشق، ومن حمص إلى اللاذقية، تحمل الكتب عبق التاريخ وتفاصيل الحياة اليومية التي صنعت شخصية كل مدينة. ولا تقتصر هذه الكتب على توثيق المعالم الأثرية والعمرانية فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى رصد العادات الاجتماعية والأمثال الشعبية والأغاني التراثية، مما يجعلها مرجعاً مهماً للأجيال القادمة.
ويشكل توثيق التراث اللامادي محوراً رئيسياً في هذه الكتب، إذ تسعى إلى حفظ الحرف التقليدية كصناعة النسيج والخزف والنحاس، والتي توشك على الاندثار في ظل التحولات الحديثة. كما تبرز أهمية هذه الكتب في توثيق اللهجات المحلية والقصص الشعبية التي كانت تتناقلها الأجيال شفاهاً، لضمان بقائها حاضرة في الوعي الجمعي.
إقبال جماهيري وفعاليات مصاحبة
يشهد المعرض إقبالاً واسعاً من مختلف الفئات العمرية، خاصة الشباب والمراهقين الذين يجدون في هذه الكتب بوابة للتعرف على تراثهم بعيداً عن الصور النمطية. وقد رصد الزوار تفاعلاً كبيراً مع الفعاليات المصاحبة، مثل الأمسيات الشعرية وورش العمل التي تهدف إلى تعزيز مهارات الكتابة الإبداعية لدى الشباب، إضافة إلى الجلسات الحوارية التي تجمع كبار السن مع الأجيال الجديدة، في حوار تفاعلي يثري الذاكرة الشفوية وينقل الخبرات.
دور الكتب في تعزيز الهوية الثقافية
لم يعد الكتاب في زمن الرقمنة مجرد وسيلة لنقل المعلومة، بل أصبح أداة فاعلة في تعزيز الانتماء والهوية. وفي سياق معرض إدلب، تظهر الكتب كحارس أمين للتراث، يقدم للقارئ العربي والسوري خصوصاً فرصة لاكتشاف جذوره والاعتزاز بتاريخه. إن توثيق التراث في صفحات الكتب يمنحه قدرة على الصمود أمام عوامل التغيير والاندثار، ويجعله حاضراً في الضمير الجمعي للأمة.
وتستحق هذه المبادرة الثقافية كل الدعم، إذ تسهم في ترسيخ قيم التسامح والحوار بين مكونات المجتمع السوري، وتؤكد أن التنوع الثقافي هو مصدر قوة وليس ضعفاً. كما تفتح الباب أمام مبادرات مماثلة في المحافظات الأخرى، لنقل التجربة وتوسيع دائرة الفائدة.
رسالة الأمل من إدلب
يقدم معرض إدلب للكتاب رسالة أمل بأن الثقافة قادرة على تجاوز كل الصعاب، وأن الكلمة المكتوبة ستبقى صامدة في وجه كل التحديات. إن الاهتمام بالتراث السوري من خلال هذه الكتب ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل هو استثمار في المستقبل، وبناء جسور متينة بين الأجيال. وبينما تتواصل فعاليات المعرض، يبقى السؤال مطروحاً حول كيفية تعميم هذه التجربة وتطويرها، لتشمل المزيد من المدن والقرى.
وفي زمن تتسارع فيه الأحداث وتتراجع فيه القيم الإنسانية في بعض الأحيان، يبقى الكتاب السوري شاهداً على عظمة الحضارة، وذاكرة تحفظ للمحافظات السورية هويتها وتراثها. إنه حدث يستحق المتابعة، ويستحق منا جميعاً أن نشارك في صناعته والاحتفاء به، لأن ما يُكتب يبقى، والذاكرة التي تُحفظ في صفحات الكتب لا تموت.
وتجدون في موقعنا تغطيات مماثلة عن معارض الكتب في العالم العربي، كما يمكنكم الاطلاع على مقالاتنا السابقة حول أهمية التوثيق الثقافي في الحفاظ على التراث. نتمنى لكم زيارة ممتعة لهذا الحدث الثقافي البارز، وندعوكم لمشاركتنا آراءكم حول كيفية دعم المبادرات الثقافية في المنطقة.