الكتب في عصر منصات التواصل.. بين الثقافة والاستعراض: لماذا يتصدر هذا الترند نقاشات اليوم؟
شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية موجة نقاش واسعة حول مقال منشور في صحيفة إندبندنت عربية (Independent Arabia) بعنوان «الكتب في عصر منصات التواصل.. بين الثقافة والاستعراض»، ليصبح هذا الموضوع حديث المتابعين في المملكة العربية السعودية والعالم العربي، خصوصاً مع تصدره قائمة الأخبار الرائجة في قطاع الكتب والنشر.
المقال الذي نشرته الصحيفة اليوم الجمعة الثامن عشر من سبتمبر 2026، يطرح سؤالاً مهماً: هل تحولت الكتب إلى مجرد أداة للاستعراض الاجتماعي عبر المنصات الرقمية؟ أم أن هذه المنصات فتحت آفاقاً جديدة لنشر الثقافة وربط القارئ العربي بالكتاب؟
لماذا يتصدر هذا الموضوع الترند الآن؟
يعود السبب الرئيسي وراء انتشار هذا الترند إلى التحولات الكبيرة التي شهدتها طرق القراءة والتحدث عن الكتب في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد القراءة مجرد نشاط فردي صامت، بل أصبحت حدثاً جماهيرياً يخضع للمناقشة والتحليل، بل وأحياناً للمباهاة الاجتماعية.
ففي عام 2026، صارت منصات التواصل مثل تيك توك وإنستغرام وسناب شات مسرحاً رئيسياً للترويج للكتب، حيث يقدم صناع المحتوى مقاطع مصورة قصيرة عن روايات بعينها، ويشارك المشاهير صوراً وهم يقرؤون في أماكن مختلفة، مما جعل البعض يرى في ذلك استعراضاً ثقافياً أكثر منه حباً حقيقياً للقراءة.
بين الثقافة والاستعراض.. أين يقع القارئ العربي؟
المقال الذي يتصدر الترند اليوم يقدم قراءة نقدية لهذه الظاهرة، مشيراً إلى أن منصات التواصل أحدثت ثنائية حادة بين نوعين من القراء: قارئ حقيقي يبحث عن المتعة والفائدة، وقارئ آخر يستخدم الكتاب كديكور بصري يضيف إلى صورته الشخصية أمام المتابعين.
ومن أبرز المظاهر التي رصدها الكاتب في مقاله:
- انتشار صور الكتب على أنها «بروبات» في جلسات التصوير، دون أن يكون صاحبها قد قرأها فعلاً.
- ظهور تحديات قراءة الكتب في المقاطع المصورة، والتي تدفع البعض إلى تصفح الكتاب تصفحاً سريعاً لمجرد اجتياز التحدي.
- تحول مراجعات الكتب إلى وسيلة للترويج التجاري بدلاً من النقد الموضوعي.
- التباهي باقتناء الكتب النادرة أو الأجنبية في الواجهات، حتى لو لم يفتحها صاحبها.
وجهان لعملة واحدة
لكن المقال لا يكتفي بتوجيه أصابع الاتهام إلى الاستعراض الرقمي، بل ينبه أيضاً إلى أن هذه المنصات ساهمت في إعادة إحياء ثقافة القراءة لدى شريحة واسعة من الشباب العربي، ممن لم تكن الكتب في يوم من الأيام ضمن اهتماماتهم.
فقد ساعدت مقاطع الفيديو القصيرة في تعريف الملايين بعناوين مهمة، ودفعت الكثيرين إلى البحث عن الكتب في المكتبات الإلكترونية، كما أن مشاهير التواصل الذين يشاركون خلاصات قراءاتهم الأسبوعية جعلوا الكتاب جزءاً من الروتين اليومي لمتابعيهم.
ولذلك يرى كثير من المحللين الثقافيين أن هذا الترند يعكس أزمة حقيقية في العلاقة بين المحتوى الهادف والمحتوى السطحي، حيث أصبح السؤال الأساسي ليس «ماذا تقرأ؟» بل «كيف تظهر للناس أنك تقرأ؟».
دور المنصات في صناعة الرواج
وتلعب خوارزميات المنصات الرقمية دوراً محورياً في إذكاء هذا الجدل، فهي تمنح الأولوية للمحتوى الذي يحقق تفاعلاً عاطفياً أو يثير الجدل، وهو ما يجعل النقاش حول الكتب يتحول أحياناً إلى معارك كلامية بين فريق يرى في القراءة المرجعية عمقاً ثقافياً، وفريق آخر يعتبرها مجرد موضة عابرة.
وفي هذا السياق، يرى متابعون أن مقال «إندبندنت عربية» جاء في توقيت مهم، إذ تزامن مع موسم العودة إلى المدارس والجامعات، ومع تزايد البحث عن الكتب في المكتبات الرقمية، مما جعل النقاش يلامس حياة شريحة واسعة من الناس.
كيف نستفيد من هذا الجدل؟
بعيداً عن التكفير أو التقديس، يمكن القول إن هذه الموجة النقاشية تمثل فرصة حقيقية لإعادة النظر في علاقتنا بالكتاب، فبدلاً من الانشغال بمراقبة سلوك الآخرين، يمكن توجيه هذا الاهتمام نحو تعزيز ثقافة القراءة العميقة داخل البيوت والمدارس، وتشجيع صناع المحتوى على تقديم مراجعات جادة تثري المشهد الثقافي العربي.
كما أن على القارئ العربي أن يتذكر أن قيمة الكتاب لا تكمن في صورته أمام الكاميرا، بل في أثره في العقل والروح، فالكتاب الجيد هو الذي يترك فيك سؤالاً يلاحقك بعد أن تطوي صفحته الأخيرة، وليس ذلك الذي يمنحك إعجاباً عابراً من متابعيك.
ويبقى السؤال المطروح اليوم على طاولة النقاش: هل نحن فعلاً أمام جيل يقرأ؟ أم أمام جيل يكتفي بأن يظهر أمام الكاميرا وفي يده كتاب؟ الإجابة في اعتقادنا أنها تتوقف على كل واحد منا، وعلى مقدار ما نمنحه للقراءة من وقت حقيقي بعيداً عن ضجيج المنصات وصخبها.