الكتب في عصر منصات التواصل.. بين الثقافة والاستعراض
تشهد صناعة الكتب والقراءة في عام 2026 تحولات جذرية لم تشهدها من قبل، حيث باتت منصات التواصل الاجتماعي تؤدي دورًا محوريًا في تشكيل علاقة الشباب العربي بالكتاب. فهل أصبح الكتاب مجرد أداة للاستعراض على الشاشات، أم أن هذه المنصات فتحت آفاقًا جديدة للقراءة الحقيقية؟
ظاهرة الحسابات الثقافية على منصات التواصل
لم يعد غريبًا أن تجد حسابًا على إنستغرام أو تيك توك مخصصًا بالكامل لمراجعات الكتب، حيث تُعرض الكتب المكدسة بشكل فني في خلفيات مُهندسة، مرفقة بتعليقات تبحث في موضوعات الكتاب وأفكاره. هذا ما بات يُعرف بـ”الكتب الاستعراضية”، وهي ظاهرة أثارت جدلًا واسعًا بين المثقفين العرب.
منصة تيك توك خاصةً أفرزت ما يُعرف بـ”بوك توك”، وهي مجتمع من صنّاع المحتوى الذين يشاركون مقاطع قصيرة عن كتبهم المفضلة. بعض هؤلاء يقدّم محتوىً ثريًا ومتنوعًا، بينما يقتصر آخرون على عرض الكتب دون قراءة فعلية لها.
الكتب كأداة للاستعراض الاجتماعي
أصبحت صورة المكتب المزدحم بالكتب أو صورة غلاف الكتاب بين يدي القارئ جزءًا من الهوية الرقمية للكثيرين. هذا التوجه أثار تساؤلات جدية: هل نشهد تراجعًا حقيقيًا في القراءة لصالح الاستعراض البصري؟
تُشير بعض الدراسات إلى أن ما يُعرف بـ”متلازمة الكتب غير المقروءة” أصبحت شائعة، حيث يتباهى البعض بامتلاك كتب كثيرة دون أن يكون قد قرأها فعلًا. هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها اكتسبت بُعدًا رقميًا جديدًا في عصر المنصات.
الخوارزميات تصنع الترندات
تلعب خوارزميات المنصات دورًا بارزًا في تشكيل هذا الاتجاه، إذ تُكافئ المحتوى المرئي الجذاب الذي يعرض الكتب بأناقة، مما يُشجّع على إنتاج المزيد من هذا النوع من المحتوى. وجدت بعض الأبحاث أن المقاطع التي تُظهر مكتبًا أنيقًا تحظى بمشاهدات أعلى بكثير من مراجعات الكتب المكتوبة.
الجانب الإيجابي: منبر للثقافة
غير أن الصورة ليست قاتمة بالكامل، فقد أتاحت منصات التواصل للكتاب العرب فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى جمهور واسع. فكثير من المؤلفين العرب الجدد اكتسبوا شهرة واسعة من خلال ظهورهم على هذه المنصات، وكتب عربية عديدة صعدت إلى قائمة الأكثر مبيعًا بعد أن نالت ثناءً من صنّاع محتوى متخصصين.
كما نشأت مجتمعات قرائية رقمية نشطة تُناقش الكتب وتتبادل الآراء، مما يُسهم في نشر الثقافة القرائية خاصةً بين الشباب الذين لم يكونوا مهتمين بالقراءة من قبل.
بين العرض والعمق
يبقى الفارق شاسعًا بين أن تملك كتابًا على رفٍّ وبين أن تقرأه بعمق. فالمحتوى القصير على منصات التواصل قد يكون نقطة انطلاق نحو القراءة الحقيقية، لكنه لا يُغني عنها. التحدي الحقيقي أمام القارئ العربي المعاصر هو تحويل هذا الاهتمام الظاهر على الشاشات إلى علاقة حقيقية ومستمرة مع الكتاب.
في النهاية، ليست المنصات هي المشكلة بحد ذاتها، بل طريقة استخدامنا لها. يمكن أن تكون أداةً رائعة لاكتشاف العناوين الجديدة ومتابعة النقاشات الأدبية، ويمكن أن تتحول في الوقت نفسه إلى فخ للاستعراض الفارغ. والحقيقة أن مفتاح المعادلة يكمن في وعينا بما نريده من القراءة أولًا.