المصري القديم وتأسيس الكتابة: رحلة تدوين التاريخ منذ عام 3100 قبل الميلاد وفق رئيس «دار الكتب والوثائق»
أعاد رئيس «دار الكتب والوثائق» (National Library and Archives of Egypt) فتح ملفّ بدايات التدوين عند المصري القديم، مؤكّداً أن هذه الحضارة العريقة شرعت في تسجيل وقائعها منذ عام 3100 قبل الميلاد، أي مع مطلع عصر الأسرات المبكرة. ويأتي هذا التوضيح ليُذكّر بأنّ الكتابة لم تكن مجرّد أداة حوكمة، بل كانت وعاءً لحفظ الذاكرة الجماعية للمجتمع على ضفاف النيل.
لماذا عاد هذا الملف إلى الواجهة هذا الأسبوع؟
تزامن الاهتمام المتجدد بهذا الموضوع مع تقارير ثقافية تتناول مكانة المخطوطات النادرة في المؤسسات المصرية الرسمية، إضافة إلى نقاشات حول رقمنة التراث وأهمية حفظ الوثائق. ويرى متابعون أن تكرار الإشارة إلى بدايات التدوين في هذا التوقيت يعكس رغبة الجمهور العربي في فهم الجذور الحضارية للكتابة، خصوصاً مع ازدياد المحتوى المعرفي على المنصات الرقمية هذا العام.
الفارق بين تدوين التاريخ والكتابة المقطعية
كثير من القرّاء يخلطون بين «بداية تدوين التاريخ» و«اختراع الكتابة المقطعية». والفارق جوهري:
- الكتابة المقطعية الهيروغليفية ظهرت تدريجياً قبل عصر الأسرات، واستخدمت في النصوص الجنائزية والإدارية.
- تدوين التاريخ بمعناه السياسي والمؤسسي بدأ مع توحيد مصر العليا والسفلى على يد الملك نارمر، إذ وُثّقت الأسماء الملكية والمناسبات الرسمية على الألواح الحجرية.
- لوح نارمر نفسه يُعدّ من أقدم «السجلات التاريخية»، إذ يضمّ أول ذكر منظّم لاسم ملك مصري.
ما الذي يعنيه هذا الاكتشاف للقارئ العربي اليوم؟
حين نعرف أن التدوين المؤسسي بدأ قبل أكثر من خمسة آلاف عام، ندرك أنّ حفظ الذاكرة ليس ترفاً حديثاً، بل ممارسة حضارية قديمة. وتستفيد من هذا الدرس مجالات عدّة في وقتنا الراهن:
- الأرشفة الرقمية للمؤسسات الثقافية والبحثية.
- توثيق الأحداث اليومية عبر المدونات والمنصات.
- حماية المخطوطات والمطبوعات النادرة من التلف والضياع.
أثر هذا الترند على محبي التاريخ والقراءة
شهدت محركات البحث هذا الأسبوع ارتفاعاً في الاستفسارات حول المخطوطات المصرية، وأسماء الملوك الأوائل، وأشهر الوثائق التاريخية. ويستفيد المهتمّون من هذه الزيادة للاطلاع على كتب مبسّطة في تاريخ مصر القديمة، وزيارة المعارض الافتراضية التي تتيحها بعض المؤسسات الثقافية. كما يُنصح بمتابعة إصدارات «دار الكتب والوثائق» التي تتضمّن نسخاً رقمية من وثائق نادرة.
دلالات حضارية
تكشف العودة إلى هذا الموضوع أنّ الاهتمام بالتراث ليس موجة عابرة، بل وعي متجدد بقيمة الوثيقة والمخطوط. وقدّمت مصر القديمة نموذجاً مبكراً في «حوكمة المعلومة»، حين وظّفت الكتابة لإدارة الاقتصاد والضرائب والعلاقات الدبلوماسية. ومن هذا المنطلق، فإنّ كل جهد معاصر لحفظ المعرفة يُعدّ امتداداً طبيعياً لتجربة بدأها المصري القديم قبل آلاف السنين.