كتب

حين احترقت المكتبات: كتب نجت من النيران لتحفظ ذاكرة الإسكندرية وبغداد وسراييفو

عاد الحديث في العام 2026 عن قضية ثقافية كبرى، بعدما تداولت منصات التواصل الاجتماعي تقريرًا لصحيفة «صوت الإمارات» بعنوان «حين احترقت المكتبات.. كتب نجت من النيران لتحفظ ذاكرة الإسكندرية وبغداد وسراييفو»، ليصبح هذا الموضوع حديث الساعة في الأوساط العربية، ويطرح سؤالًا عميقًا: كيف تستطيع الكتب أن تنجو من ألسنة اللهب لتحفظ ذاكرة الأمم؟

لماذا يتردد هذا الموضوع الآن؟

يرتبط رواج هذا الموضوع في سبتمبر من العام 2026 بذكرى حرائق تاريخية كبرى، وبازدياد الاهتمام بالحفاظ على التراث الرقمي والمطبوع، خاصة بعد الكوارث الأخيرة التي أتت على مكتبات عامة في أكثر من بلد. كما أن التقرير الذي نشرته «صوت الإمارات» أعاد صياغة الحكايات القديمة بأسلوب يلامس وعي القارئ العربي المعاصر، الذي يبحث عن معنى للصمود في زمن تتكالب فيه الأزمات.

الإسكندرية: أول مكتبة عظيمة في التاريخ

في الإسكندرية القديمة، كانت مكتبة الإسكندرية أعظم صروح المعرفة في العالم القديم، حيث ضمت مئات الآلاف من لفائف البردي. وعندما احترقت المكتبة في ظروف غامضة عبر العصور، ضاع معها جزء كبير من الفكر الإنساني. لكن بعض الكتب نجت من النيران، ليس لأنها كانت محظوظة، بل لأنها انتقلت إلى مكتبات أخرى قبل وقوع الكارثة، أو لأن نُسخًا منها كانت موجودة في مدن بعيدة. هذه الحكاية تعلّمنا أن الحفاظ على المعرفة لا يكون بالتكديس في مكان واحد، بل بنشر النسخ وتوزيعها.

بغداد: دجلة يتحول إلى مداد

في بغداد، وعندما اجتاح المغول المدينة عام 1258م، كانت مكتبة بيت الحكمة تضم كنوزًا من الكتب في شتى العلوم. تُروى القصة الشهيرة أنهم ألقوا بالكتب في نهر دجلة، فتحول لون الماء إلى الأسود من شدة الحبر الذي تسرب من الصفحات. ومع ذلك، فقد نجا عدد من الكتب عبر إخفائها في أقبية المنازل أو بنقلها سرًا إلى مدن أخرى قبل دخول الجيوش. هذه الحادثة المؤلمة أصبحت رمزًا لصمود الكلمة المكتوبة أمام أعنف موجات التدمير.

سراييفو: مواطنون يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الذاكرة

في التسعينيات من القرن الماضي، وخلال حرب البوسنة، تعرضت المكتبة الوطنية في سراييفو للقصف والحرق، واحترق أكثر من مليون كتاب. لكن اللافت أن مواطنين بسطاء خاطروا بحياتهم لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من النيران، حيث كانوا يخرجون بين القذائف وهم يحملون الكتب بين أذرعهم. هذا المشهد الإنساني المؤثر أعاد إلى الأذهان قيمة الكتاب بوصفه هوية وذاكرة، وليس مجرد أوراق.

ماذا نتعلم من هذه الحرائق؟

هذه الأحداث ليست مجرد حكايات تاريخية نرويها في المناسبات، بل تحمل دروسًا مهمة للقارئ العربي اليوم. فالعالم يشهد اليوم حرائق رقمية تتمثل في إغلاق مواقع الأرشيف، وفقدان البيانات، وهجمات القرصنة التي تهدد المحتوى الرقمي. لذلك، صار الحفاظ على الكتب مسؤولية جماعية تبدأ من الفرد وتنتهي بالمؤسسات.

من أبرز الطرق العملية لحماية الكتب من الحرائق والاندثار:

  • الأرشفة الرقمية: تحويل الكتب الورقية إلى نسخ رقمية وحفظها في خوادم متعددة.
  • توزيع النسخ: عدم حصر الكتب في مكان واحد، بل توزيعها على مكتبات متعددة في مدن مختلفة.
  • استخدام تقنيات إطفاء حديثة في المكتبات العامة والخاصة.
  • نشر الوعي المجتمعي بأهمية التراث المكتوب عبر منصات التواصل الاجتماعي.

الكتب تنتصر على النار

تبقى قصة الكتب التي نجت من النيران مصدر إلهام للأجيال، وتذكيرًا بأن الحضارات تُبنى بالكلمة، وأن الذاكرة الإنسانية أقوى من كل محاولات الإحراق. فكل كتاب ينجو من حريق هو انتصار للمعرفة على الجهل، وللحياة على الموت. وفي زمن تتسارع فيه الأحداث، علينا أن نتذكر أن ما نكتبه اليوم قد يكون ما ترويه المكتبات غدًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى