غواية الورق… لماذا نقتني آلاف الكتب دون أن تكفي أعمارنا لقراءتها؟
في مكتبات عربية كثيرة، باتت ظاهرة لافتة تستحق التأمل: أشخاص يقتنون العشرات بل المئات من الكتب كل عام، يملأون أرففهم بها، ثم يكتشفون أن السنوات تمضي دون أن يُسدّ ثلث ما اشتروه. هذه هي غواية الورق التي захأت قلوب كثيرين في المنطقة العربية.
ما وراء جمع الكتب دون قراءتها
ليست هذه الظاهرة حكراً على مجتمع بعينه، بل تشمل شرائح واسعة من المثقفين والطلاب والمهنيين على حدٍّ سواء. يكمن السر في الرغبة التي تسميها الدراسات النفسية بـ”الميل التراكمي”، وهو ذلك الشعور بالسعادة الذي يصاحب اقتناء كتاب جديد أكثر من تلك التي يمنحها قراءته. فالكتاب على الرف يُمثّل وعداً بالمعرفة، بينما قراءته قد تعني مواجهة صبر القارئ أو صعوبة مضمونه.
في المجتمعات العربية، يتضافر مع هذا ميل اجتماعي عميق نحو تقدير الحامل المعرفي ذاته. فالكتاب ليس مجرد أداة نقل معلومات، بل رمز ثقافي يوحي بالثراء الفكري والذوق الراقي.
ثقافة الاقتناء في العالم العربي
تشير ملاحظات ناشري الكتب في منطقة الخليج إلى ارتفاع ملحوظ في مبيعات الكتب الورقية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجالات التطوير الذاتي والروايات المترجمة والتاريخ الإسلامي. ومع ذلك، يؤكد هؤلاء أن نسبة القراءة الفعلية لا تزال أقل بكثير من نسبة الشراء.
أصبحت المكتبات الكبرى في الرياض ودبي والقاهرة وجهات جذب حقيقية، حيث يقضي الزوار ساعات في التنقل بين الأرفف، ويعودون بحقائب ممتلئة. وكثير منهم يعترفون لاحقاً بأنهم لم ينتهوا من قراءة نصف ما اشتروه.
لماذا لا نقرأ ما نشتري؟
تتنوع الأسباب بين النفسية والاجتماعية والعملية. فالكتاب الجديد يحمل إغراءً لا يُقاوم، إذ يمثّل إمكانية المعرفة التي لم تُستنفد بعد، بخلاف الكتاب المقروء الذي أصبح جزءاً من الماضي. كما أن الشعور بالامتلاك المجرد يمنح راحة نفسية، إذ يشعر صاحبه بأنه جزء من مجتمع المعرفة حتى دون بذل الجهد الفعلي في القراءة.
من الناحية العملية، تتقلص أوقات الفراغ مع ضغوط الحياة الحديثة، مما يجعل قراءة كتاب جديد تحتاج إلى جهد إضافي لممارسة هواية أخرى كانت يوماً متاحة أكثر. وهنا تبرز المفارقة: نواصل الشراء بوتيرة أعلى من أي وقت مضى، بينما تتراجع القراءة الفعلية.
نظرة نحو المستقبل
في عام ٢٠٢٦، تتزايد الدعوات إلى ما يُسمى بـ”القراءة الواعية”، وهي باختصار: شراء ما تنوي قراءته فعلاً، وعدم الانسياق وراء وعود الإغراء التسويقي أو رغبة التكديس. بعض المكتبات بدأت تُنظم فعاليات تُشجّع على تبادل الكتب بدل شرائها، مما يُخفف من وطأة الغواية ويمنح الكتب حياة ثانية.
في النهاية، تبقى الكتب خير جليس، لكن الجليس الحقيقي هو quello الذي نفتحه ونقرأه، لا quello الذي يكدس على الرفوف ي dusty في انتظار فرصة قد لا تأتي.