مشروع بنما لـ«شفط» الكتب: مبادرة لتسريع تحويل الورق إلى رقمي
تداولت مصادر أخبار الكتب مؤخراً خبر إطلاق مبادرة جديدة تحمل اسم «مشروع بنما» (Panama Project)، وتستهدف ما وصفه منفذو المشروع بأنه عملية «شفط» منهجي لمحتوى المكتبات الورقية وتحويله إلى نصوص رقمية قابلة للفهرسة والبحث. ويرى القائمون على المشروع أن تحويل الكتب القديمة والجامعية إلى قواعد بيانات نصية يتيح للباحثين والقراء الوصول إلى ملايين الصفحات في ثوانٍ معدودة بدلاً من أسابيع من البحث اليدوي في الأرفف.
ما فكرة المشروع؟
تعود فكرة مشروع بنما إلى تسليط الضوء على الكمّ الهائل من الكتب التي لا تزال حبيسة المخازن والمكتبات الخاصة، إذ يقدّر المنظمون أن نسبة كبيرة من الإصدارات الأكاديمية والتاريخية لا تظهر في نتائج محركات البحث لأنها غير ممسوحة ضوئياً. ويهدف المشروع إلى ضخّ هذه المادة في قواعد البيانات الرقمية، ومن ثم تدريب نماذج لغوية عليها بحيث يستطيع أي مستخدم أن يتلقى إجابات سياقية استناداً إلى مراجع ورقية قديمة، وهو ما يعرف اصطلاحاً بتقنية الاسترجاع المعزز.
لماذا يثير المشروع جدلاً؟
يثير المشروع نقاشاً واسعاً بين ثلاثة أطراف رئيسية. الأول هم الناشرون ومؤلفو الكتب، إذ يخشون أن تتحول عمليات الشفط الجماعي إلى انتهاك لحقوق الملكية الفكرية إذا لم تُمنح تعويضات عادلة. والثاني هم أمناء المكتبات والأرشيفيون، الذين يحذرون من أن المسح العشوائي قد يطمس البيانات الوصفية للكتب، مثل سنة النشر ودار النشر والطبعة، وهي بيانات ضرورية للاقتباس الأكاديمي السليم. والثالث هم الباحثون المستقلون، الذين يرون أن وفرة البيانات ستُحدث ثورة في الدراسات الإنسانية الرقمية، لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى ضوابط شفافة تحدد آلية الاستخدام والاقتباس.
الجدوى التقنية والفوائد المتوقعة
- تسريع البحث: يستطيع الباحث العثور على إجابة مدعومة بمرجع ورقي خلال ثوانٍ، بدلاً من تصفح فهارس ضخمة يدوياً.
- إنعاش التراث: كثير من الكتب المطبوعة في القرنين التاسع عشر والعشرين أصبحت نادرة، وتحويلها إلى رقمية يحفظها من التلف والاندثار.
- تعليم أفضل: الطلاب في الجامعات العربية والأجنبية يستطيعون الوصول إلى نصوص كانت حكراً على أصحاب العضويات المدفوعة في قواعد البيانات التجارية.
- فرص بحثية جديدة: تفتح المادة النصية الضخمة الباب أمام دراسات تحليلية كمّية لم يكن بالإمكان إنجازها من قبل.
التحديات والمخاوف
تتعدد التحديات أمام مشروع بهذا الحجم. فعلى الصعيد القانوني، تتطلب عملية شفط ملايين الكتب الحصول على إذن من أصحاب الحقوق أو المرور عبر آليات الاستثناء القانونية مثل الاستخدام العادل، وهو مسار يختلف تشريعياً من بلد إلى آخر. وعلى الصعيد التقني، يتطلب الأمر طاقة حوسبة ضخمة وخوادم قادرة على استيعاب بيانات تقدر بالتيرابايتات. وعلى الصعيد الأخلاقي، يبرز تساؤل حول مدى موثوقية النصوص المستخرجة آلياً ومدى حاجة القارئ البشري إلى مراجعة الجودة قبل الاعتماد على الاقتباس.
أثر المشروع على القارئ العربي
يستفيد القارئ العربي من هذا التوجه على نحو غير مباشر، إذ تتغذى كثير من أدوات الذكاء الاصطناعي بنصوص الكتب الممسوحة، وكلما زادت جودة قاعدة البيانات زادت دقة الإجابات باللغة العربية. كما أن المكتبات الرقمية في الجامعات العربية قد تدمج هذه المصادر ضمن بواباتها البحثية، مما يتيح الوصول إلى مراجع أجنبية مترجمة أو معنونة بالعربية في المستقبل القريب.
مستقبل «الشفط» الرقمي للكتب
يبدو أن موجة تحويل المكتبات الورقية إلى بيانات قابلة للمعالجة الآلية ستتسارع خلال عام 2026 وما بعده، خصوصاً مع تنامي قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي على قراءة النصوص الممسوحة وفهمها. ويتوقع مراقبون أن يتحول مفهوم «الكتاب» ذاته من غلاف مادي إلى ملفّ نصي غني بالبيانات الوصفية، بحيث يستطيع القارئ مستقبلاً أن يبحث داخل الكتاب نفسه كما يبحث في الإنترنت. ويبقى التحدي الأكبر في موازنة الانفتاح المعرفي مع حماية حقوق المؤلفين ودقة المعلومات، وهي معادلة ستحدد مدى نجاح مشاريع من هذا النوع في السنوات المقبلة.