يفضل البرتغاليون وسائل التواصل الاجتماعي على الكتب: الأسباب والتداعيات في 2026
تصدّر موضوع ثقافي جديد نقاشات المهتمين بالشأن العام في الأيام الأخيرة، إذ كشفت تقارير إعلامية أن الجمهور في البرتغال أصبح يقضي وقتاً أطول في تصفح منصات التواصل الاجتماعي بدلاً من قراءة الكتب. وقد أثار هذا الموضوع تفاعلاً واسعاً، خاصة بعد أن نشرته صحيفة “ذا برتغال نيوز” (The Portugal News) في تقرير لها هذا العام.
يأتي هذا الترند في وقت تتسارع فيه التحولات الرقمية حول العالم، ولم تكن البرتغال استثناءً من هذه الموجة. فالتقارير تشير إلى أن متوسط الوقت الذي يقضيه البرتغاليون على منصات مثل إنستغرام وتيك توك وفيسبوك يتجاوز بكثير الوقت المخصص للقراءة الورقية أو الإلكترونية. وهذا المشهد ليس مقتصراً على البرتغال وحدها، بل هو ظاهرة عالمية تثير قلق المربين والمثقفين وصناع السياسات الثقافية.
لماذا يبتعد البرتغاليون عن الكتب؟
هناك عدة عوامل تفسر هذا التحول اللافت، ويمكن إجمالها في النقاط التالية:
- سهولة الوصول إلى المحتوى القصير: توفر منصات التواصل الاجتماعي جرعات سريعة من المعلومات والترفيه، ما يجعل العقل البشري يميل إلى المتعة اللحظية بدلاً من الجهد الذهني الطويل الذي تتطلبه قراءة كتاب.
- الإشعارات والتنبيهات المستمرة: صممت هذه التطبيقات لتكون مدمنة، حيث تدفع المستخدم للعودة إليها مراراً وتكراراً، مما يقلل الوقت المتاح للقراءة المتعمقة.
- تراجع مدى الانتباه: تشير دراسات عديدة إلى أن متوسط فترة التركيز لدى الإنسان انخفضت بشكل ملحوظ في العقد الأخير، وهو ما يجعل قراءة رواية من 300 صفحة مهمة شاقة للكثيرين.
- التحول نحو المحتوى المرئي: الفيديوهات القصيرة والصور جذابة أكثر من النصوص الطويلة، خاصة لدى الأجيال الشابة التي نشأت على الهواتف الذكية.
ماذا يعني هذا الترند للقارئ العربي؟
رغم أن التقرير يتحدث عن البرتغال، إلا أن الرسالة تهم القارئ العربي مباشرة. فالعالم العربي يشهد تحولاً مشابهاً، حيث تتصدر منصات التواصل الاجتماعي قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً في معظم الدول العربية، بينما تعاني معدلات القراءة من تراجع ملحوظ في بعض الفئات العمرية. هذا لا يعني أن القراءة اختفت، بل تغيرت طرقها وأدواتها.
ففي السنوات الأخيرة، ظهرت منصات عربية للكتب الإلكترونية والمسموعة، وحققت نجاحاً لافتاً، مما يشير إلى أن الشباب العربي ما زال يقرأ، لكنه يفضل الوسائط الرقمية الحديثة. كما أن بعض الكتّاب والناشرين العرب بدأوا يعتمدون على منصات التواصل الاجتماعي لنشر أعمالهم والترويج لها، بدلاً من الاعتماد على التوزيع الورقي التقليدي.
تأثيرات على النشر والثقافة
لاشك أن هذا التحول يفرض تحديات كبيرة على دور النشر والمكتبات في البرتغال، فهي مضطرة إلى إعادة التفكير في استراتيجياتها للوصول إلى الجمهور. بعض المكتبات البرتغالية بدأت بتنظيم فعاليات ثقافية افتراضية، وبعض الناشرين أطلقوا تطبيقات للقراءة التفاعلية، بينما لجأ آخرون إلى الاستثمار في الكتب الصوتية التي تشهد إقبالاً متزايداً.
على المستوى الثقافي، يثير هذا الترند تساؤلات حول مستقبل القراءة العميقة والقدرة على التحليل والنقد، فقراءة الكتب تنمي التفكير النقدي وتوسع المدارك، بينما قد تؤدي التصفحات السريعة إلى سطحية في الفهم. لذلك، يوصي خبراء التربية بضرورة تخصيص وقت يومي للقراءة بعيداً عن الشاشات، مع الاستفادة من الجانب الإيجابي للتكنولوجيا في الوصول إلى الكتب.
كيف نوازن بين التكنولوجيا والقراءة؟
إذا كان هذا الترند يمثل الواقع الجديد، فإن الحل ليس في رفض التكنولوجيا أو التحول إلى الماضي، بل في استثمارها لصالح القراءة. يمكن للشباب العربي أن يبدأ بتحديد وقت محدد للقراءة يومياً، حتى لو كان نصف ساعة فقط. كما يمكن استخدام تطبيقات القراءة الإلكترونية التي تتيح تحميل الكتب مجاناً أو بأسعار رمزية، والانضمام إلى نوادي القراءة الافتراضية التي تناقش الكتب عبر منصات التواصل الاجتماعي.
إن ما يحدث في البرتغال ليس نهاية الكتاب، بل هو دعوة لإعادة ابتكار علاقتنا بالقراءة بما يتناسب مع روح العصر. فالكلمة المكتوبة ستبقى حاضرة، لكنها ستتخذ أشكالاً جديدة، وعلى الجميع أن يكون مستعداً لهذا التغيير.