متى تحولت قراءة الكتب إلى عمل استعراضي؟ جدل يستعيد حضوره في المشهد الثقافي العربي
عاد إلى الواجهة سؤال قديم يتجدد كلما ضجّت منصات التواصل بصور رفوف الكتب وأكوام المجلدات خلف المؤثرين: متى تحولت قراءة الكتب إلى عمل استعراضي؟ أعادت مجلة «اندبندنت عربية» فتح هذا الملف في تقرير حديث، لتسائل ظاهرة باتت تُختزل فيها القراءة في «مشهد بصري» يُعرض قبل أن تُقرأ صفحاته، وسط تحولات عميقة في علاقة الجمهور بالكتاب الورقي والرقمي على حدّ سواء.
لماذا يستقطب هذا الجدل تفاعلاً واسعاً الآن؟
يرتبط هذا الموضوع بمسار ثقافي متسارع تتقاطع فيه عدة عوامل. فمن جهة، أصبحت القراءة مرتبطة بصورة رقمية تُعرض على المنصات، ومن جهة أخرى تتسع المنافسة بين صنّاع المحتوى على جذب الانتباه بأدوات غير الكتاب نفسه. وفي خلفية المشهد، تتوالى الإصدارات الموسمية، وتتنامى حركة المكتبات الرقمية والناشرين المستقلين، بينما يواصل القارئ العربي البحث عن صياغة جديدة لعلاقته بالكتاب.
القراءة بوصفها عرضاً لا ممارسة
يرى كثير من المتابعين أن الكتب باتت تُستخدم عناصرَ في تكوين «الهوية البصرية» للمستخدم، أكثر من كونها أدوات للمعرفة والتأمل. وتظهر على المنصات صور لرفوف مرتبة بعناية، وقوائم موسمية تُنشر كأنها برنامج شخصي، في حين يختفي الفعل الأساس: الجلوس مع نصّ طويل حتى نهايته. ويتحوّل الكتاب إلى ديكور ثقافي يُستهلك بسرعة ويُستبدل بسرعة أكبر.
مظاهر الظاهرة في الفضاء العربي
- صور رفوف الكتب المرتبة بطريقة فوتوغرافية قبل نشر أي اقتباس أو مراجعة.
- قوائم «أهداف القراءة السنوية» التي تتحول إلى إنجاز شكلي.
- التركيز على عناوين معروفة سلفاً بدل استكشاف نصوص جديدة.
- تحويل القراءة إلى محتوى مرئي قصير يُختزل فيه الكتاب في جملة واحدة.
هل يضر الاستعراض بالقراءة أم ينفعها؟
لا يتفق المهتمون على إجابة واحدة. فريق يرى أن هذا الاستعراض يفتح باباً للقراءة أمام شريحة أوسع، إذ يدفع فضول المتابع إلى البحث عن عناوين كان سيتجاهلها. في المقابل، يحذّر فريق آخر من أن تحويل الكتاب إلى سلعة بصرية يُفرغه من معناه، ويحوّل القارئ من ممارس إلى متفرّج على ممارسة غيره. ويبقى الفيصل، في نهاية المطاف، في قدرة كل قارئ على الفصل بين «عرض الكتاب» و«قراءة الكتاب» فعلاً.
دلالات أوسع للسؤال
لا يقتصر هذا الجدل على الكتب وحدها، بل يمتد إلى الموسيقى والأفلام والألعاب والمقتنيات، حيث تتكرر نفس المعادلة: تحوّل الممارسة الثقافية إلى «مشهد» قابل للنشر والمشاركة. وهو ما يجعل السؤال الذي طرحته «اندبندنت عربية» أكثر من مجرد استفسار عن عادة فردية، ليصبح مرآة لتحولات أعمق في علاقة الإنسان العربي بالمعرفة في زمن المنصات.
ما الذي يمكن أن يفعله القارئ؟
ثمة خطوات عملية تساعد على استعادة متعة القراءة بعيداً عن الإطار الاستعراضي. فالبدء بكتاب ورقي واحد فقط، وتحديد وقت يومي قصير للقراءة دون تصوير، والكتابة عن الانطباعات في دفتر خاص، والتركيز على نوع أدبي واحد يثير الاهتمام، كلها عادات تعيد للقراءة طابعها الشخصي. ويبقى الهدف الحقيقي هو بناء علاقة هادئة ومستمرة مع النص، لا بناء صورة مثالية عن القارئ.