مخطوطات قطاع غزة تحت الركام.. ذاكرة تواجه الاندثار في صمت
في خضمِّ حربٍ مستمرةٍ منذ أشهرٍ طويلة، لا تنحصرُ الخسائرُ في أرواحِ البشرِ والمنازلِ فحسب، بل تمتدُّ إلى ما هو أبعدُ من ذلك: ذاكرةٌ ثقافيةٌ وحضاريةٌ عمرُها مئاتُ السنين. وتتصدَّرُ هذا الموضوعَ الراهنَ مقالةٌ نشرتها وكالةُ سكاي نيوز عربية، تحتَ عنوانٍ يكشفُ حجمَ الكارثة: “مخطوطات قطاع غزة تحت الركام.. ذاكرةٌ تواجهُ الاندثارَ في صمت”. فماذا تضمُّنُ هذه المخطوطات؟ ولماذا يُعَدُّ تدميرُها خسارةً فادحةً لا تُقاسُ بالأرقام؟
لماذا يتصدَّرُ هذا الموضوعُ المواضيعَ الرائجة؟
يشهدُ العالمُ العربيُّ في هذه الفترةَ تزايدًا ملحوظًا في الاهتمامِ بالقضيةِ الفلسطينيةِ من زوايا متعدِّدة، وليس فقط من الناحيةِ السياسيةِ والعسكرية. فقد تحوَّلتِ الأنظارُ نحوَ البُعدِ الثقافيِّ والإنسانيِّ، حيث يُطرحُ سؤالُ الحفاظِ على التراثِ الماديِّ والوثائقيِّ بقوةٍ غيرِ مسبوقة. ومع تصاعُدِ وتيرةِ القصفِ على المناطقِ السكنيةِ في قطاع غزة، تبرزُ إشكاليةٌ حقيقيةٌ تتمثَّلُ في تدميرِ المكتباتِ الخاصةِ والمساجدِ التي كانت تضمُّ مخطوطاتٍ نادرة، وهو ما يجعلُ هذا الموضوعَ محلَّ اهتمامٍ واسعٍ لدى المتابعينَ والباحثينَ على حدٍّ سواء.
مخطوطات قطاع غزة: ماذا تمثِّل؟
يحتوي قطاعُ غزةِ على إرثٍ مكتوبٍ يمتدُّ إلى قرون، تشملُ مخطوطاتٍ دينيةً ووثائقَ عثمانيةً ومخطوطاتٍ أدبيةً ولغوية، كثيرٌ منها لم يُفهرَس بالكاملٍ بعد. ويُقدِّرُ باحثونَ أنَّ عددَ المخطوطاتِ في القطاعِ يفوقُ عدةَ آلافٍ من الوثائق، تتنوعُ بين نسخٍ من القرآنِ الكريمِ وكتبِ الحديثِ والتفسيرِ والشعرِ العربيِّ القديم. وقد أُطلقَ على قطاع غزة وصفُ “عروسِ البحرِ الأبيضِ المتوسط” لِما يضمُّهُ من تراثٍ ثقافيٍّ وعلميٍّ جَمَعَ بين الحضارةِ الإسلاميةِ والبيزنطيةِ والرومانية.
ما الذي يُفقَدُ مع كلِّ مخطوطة؟
لا يمثِّلُ تدميرُ المخطوطةِ فَقْدَ قطعةٍ من الورقِ القديم، بل يعني محوًا لسرديةٍ كاملة. فكلُّ مخطوطةٍ تحملُ في طياتها:
- مخطوطاتٍ فقهيةً تُوثِّقُ فتاوى وعاداتٍ اجتماعيةً لا توجدُ في أيِّ مصدرٍ آخر.
- رسائلَ أدبيةً وشعريةً لشعراءَ لم تُنشَرْ أعمالُهم بعدُ على نطاقٍ واسع.
- وثائقَ تاريخيةً تُروي تفاصيلَ دقيقةً عن الحياةِ اليوميةِ في العصورِ الإسلاميةِ والعثمانية.
- نسخًا نادرةً من كتبٍ علميةٍ في الرياضياتِ والفلكِ والطبِّ.
جهودٌ دوليةٌ للحفاظِ على ما تبقَّى
أطلقت منظَّماتٌ دوليةٌ عدةُ مبادراتٍ لتوثيقِ ما أمكنَ من هذا التراثِ قبلَ فواتِ الأوان، من خلالِ تصويرِ المخطوطاتِ رقميًّا وإتاحتِها على منصَّاتٍ مفتوحة. غيرَ أنَّ وتيرةَ الدمارِ تتفوَّقُ على جهودِ الإنقاذِ، مما يُخِلُّ بتوازنٍ حضاريٍّ لا يمكنُ تعويضُه. ويُطالبُ باحثونَ عربٌ ودوليونَ المجتمعَ الدوليَّ بتحمُّلِ مسؤوليتِهِ في حمايةِ التراثِ الثقافيِّ باعتبارِه ملكًا للبشريةِ جمعاء.
إنَّ ما يجري في قطاع غزة من تدميرٍ للموروثِ المكتوبِ ليس مجرَّدَ خسارةٍ محلية، بل هو سَطْوٌ على ذاكرةٍ إنسانيةٍ بأكملها، تستحقُّ أن تُحفظَ وتدوَّنَ قبلَ أن تعصفَ بها رياحُ الحربِ إلى الأبد.