كتب

الذكاء الاصطناعي يهدد الكتب النادرة.. هل يتحول التراث الثقافي إلى ضحية للتدريب؟

في عالم تتسارع فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي بخطوات لم يشهدها التاريخ من قبل، يظهر ملف جديد يثير قلقاً متزايداً في الأوساط الثقافية والأكاديمية: هل تتحول الكتب النادرة والمخطوطات القديمة إلى وقود رخيص لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي دون مراعاة حقوق المؤلفين أو قيمة هذه الأعمال التراثية؟

طرح هذا السؤال تقرير حديث من موقع اليوم السابع، سلّط الضوء على ظاهرة تتكشف تدريجياً في 2026: شركات التقنية الكبرى تعتمد على كمّ هائل من النصوص الرقمية، بما فيها كتب نادرة ومخطوطات تاريخية محمية بقوانين حقوق الملكية الفكرية، لتدريب نماذج لغاتها الاصطناعية دون الحصول على إذن صريح من أصحاب الحقوق أو المؤسسات الحارسة لهذه الكنوز.

ما المقصود بالتهديد الحقيقي؟

لا يتعلق الأمر بسرقة كتاب واحد أو مخطوطة بعينها، بل يتعلق الأمر بعملية جماعية واسعة النطاق. تقوم شركات تطوير الذكاء الاصطناعي بجمع ملايين النصوص من مصادر رقمية متنوعة تشمل المكتبات الرقمية ومحركات البحث وقواعد البيانات المتخصصة، ثم تُستخدم هذه النصوص في تدريب نماذج ذكاء اصطناعي قادر على إنتاج نصوص شبيهة بالنصوص الأصلية. المشكلة أن هذه العملية لا تُبقي أثراً واضحاً لعملية النسخ، لكنها تستنزف القيمة الثقافية والمعرفية للأعمال الأصلية دون تعويض.

تُعَدّ المكتبات الكبرى مثل مكتبة الكونغرس ومكتبة الإسكندرية الرقمية والمشاريع العربية مثل ذاكرتي وأوروك من أبرز الجهات التي تحذر من هذه الممارسة، إذ ترى أن التهاون في حماية المحتوى الرقمي التراثي يُعرّض الإرث الثقافي للتآكل التدريجي.

أين تكمن الإشكالية القانونية؟

تتمحور الإشكالية حول نقطة جوهرية: معظم قوانين حقوق الملكية الفكرية في العالم العربي والعالمي صُمّمت في عصر لم يكن للذكاء الاصطناعي وجود فيه. هذه القوانين لا تُنظّم بشكل واضح استخدام الأعمال المحمية لتدريب أنظمة ذكية، وهو ما يُعرف تقنياً بـ”التعلم من النصوص” أو “نموذج التدريب الاستنباطي”.

حتى الآن لم يصدر إطار قانوني دولي موحّد يُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بالحصول على تراخيص لاستخدام الكتب والمصادر الأدبية في التدريب، مما يُفسح المجال أمام ثغرة قانونية كبيرة تستغلها شركات كبرى دون رادع حقيقي.

ما ردود فعل المؤسسات الثقافية؟

تصاعدت في 2026 دعوات من مؤسسات ثقافية عالمية وعربية للمطالبة بتشريعات جديدة تحمي المحتوى التراثي من الاستخدام غير المشروع في تدريب الذكاء الاصطناعي. من أبرز هذه الدعوات:

  • مطالبة اتحاد الناشرين العرب بتعديل اتفاقيات الملكية الفكرية لتُضيف بنداً صريحاً يحظر استخدام المحتوى في أغراض التدريب الذكي.
  • إطلاق عدة جامعات عربية مبادرات لرقمنة كتبها النادرة مع وضع قيود صارمة على الوصول لمنع استخدامها في التدريب.
  • دعوة معاهد بحثية دولية إلى إنشاء “ميثاق أخلاقي” يُلزم الذكاء الاصطناعي بالاحترام الثقافي للموروث المكتوب.

هل من بديل يحمي التراث ويُطوّر الذكاء الاصطناعي؟

يرى عدد من المحللين أن المعادلة ليست صفرية بالضرورة. يمكن للتقنية أن تخدم التراث بدلاً من أن تهددها إذا توفرت الإرادة الصحيحة. هناك نماذج تجريبية ناجحة تعتمد على تعاون بين دور النشر ومطوري الذكاء الاصطناعي، بحيث تُمنح تراخيص محددة مقابل أجر عادل يُعاد الاستثمار منه في الحفاظ على المكتبات الرقمية.

كما أن تقنيات التتبع الرقمي التي تُتيح تتبع مصدر النصوص المستخدمة في التدريب بدأت تحرز تقدماً، مما قد يُسهّل مستقبلاً محاسبة الشركات التي تستغل المحتوى دون إذن.

ماذا يعني هذا للقارئ العربي؟

بالنسبة للشباب العربي المهتم بالثقافة والقراءة، يبقى هذا الموضوع ذا أهمية مباشرة. فالكتب العربية النادرة والتراث المخطوط الذي يمتد عبر قرون معرض للخطر ذاته الذي تعرّضت له أعمال أدبية غربية. إذا لم تتحرك الجهات التشريعية والمؤسسات الثقافية العربية بسرعة، فقد يجد القارئ العربي نفسه أمام ذكاء اصطناعي يمتلك “معرفة” بالتراث العربي دون أن يكون لهذا التراث أي دور في رفاهيته أو الحفاظ عليه.

في المحصلة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يمكن أن يتعايش الذكاء الاصطناعي مع التراث الثقافي أم أنه سيُحوّله إلى ضحية أخرى من ضحايا التقدم التقني؟ الإجابة تعتمد على القرارات التي تُتّخذ في 2026 وما يليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى