الكتاب الثقافي العماني وضعف دائرة انتشاره: قراءة في المشهد الحالي
عادت إلى الواجهة في مطلع هذا الشهر قضية الكتاب الثقافي العُماني وما يلازمه من ضعف في دائرة الانتشار، وذلك بعد أن أعادت جريدة عُمان تسليط الضوء على الفجوة بين حجم الإنتاج الفكري والثقافي في السلطنة وبين وصوله إلى القارئ العربي على نطاق واسع. تتقاطع هذه الإعادة مع نقاش أوسع حول دور المجلات الثقافية والمؤسسات الناشرة في دعم المؤلفين المحليين وتمكينهم من تجاوز الحدود الجغرافية للكتب المطبوعة.
لماذا عاد الملف إلى الترند؟
يرتبط الاهتمام المتجدد بهذا الموضوع بجملة من التطورات، أبرزها تزايد الحديث عن منصات النشر الرقمية وصعوبة وصول الإصدارات العُمانية إلى معارض الكتب الخليجية والعربية، فضلاً عن محدودية التوزيع الذي يتوقف في كثير من الأحيان على المكتبات المحلية. كما أن هناك شأنا ثقافيا آخر يتصل بدور الجوائز العربية في تسليط الضوء على الإصدارات العُمانية، إذها تتحدث عن مؤلفين عُمانيين حصلوا على جوائز في دورات سابقة لكن حضورهم في المكتبات الإقليمية ظل محدودا.
أبرز مظاهر ضعف دائرة الانتشار
- ارتفاع تكاليف الشحن والتوزيع خارج السلطنة، وهو ما يجعل سعر النسخة الواحدة أعلى من المتوسط الإقليمي.
- محدودية المشاركة في المعارض الدولية الكبرى مقارنة بنظائرها في المنطقة.
- ضعف التواصل الرقمي بين الناشرين العُمانيين ومنصات المراجعة العربية، مما يقلل من فرص التعريف بالإصدارات الجديدة.
- غياب قاعدة بيانات موحدة للفهرسة تتيح للمكتبات ومراكز البحث الوصول إلى العناوين العُمانية بسهولة.
انعكاسات على المشهد الثقافي
يؤثر ضعف الانتشار على صورة المشهد الثقافي العُماني برمته، إذها تحرم القراء من الاطلاع على تجارب أدبية وفكرية تنوع المشهد العربي، كما تحد من فرص التبادل المعرفي بين المثقفين في الخليج ونظرائهم في المشرق العربي وشمال أفريقيا. وفي المقابل، يدفع كثير من المؤلفين إلى اللجوء إلى النشر الذاتي أو الطباعة عند الطلب، وهي خيارات تمنح مرونة أكبر لكنها لا توفر أدوات الترويج والتوزيع المؤسسي.
خطوات عملية مقترحة لتعزيز الانتشار
- تفعيل اتفاقيات تبادل الإصدارات بين المؤسسات الثقافية العُمانية ونظيراتها في الدول العربية، بما يضمن تدفقا طبيعيا للكتب في كلا الاتجاهين.
- إنشاء ملف رقمي موحد للناشرين العُمانيين يضم الكتالوجات والمقتطفات ومراجعات القراءة، وإتاحته عبر بوابة ثقافية رسمية.
- تشجيع المؤلفين على المشاركة في البرامج الترويجية الرقمية، مثل الجلسات الافتراضية والمقابلات المرئية التي تتيح الوصول المباشر إلى الجمهور.
- دعم ترجمة الإصدارات المتميزة إلى لغات أخرى عبر صندوق وطني للترجمة، وهو ما يوسع قاعدة القراء ويمنح الكتاب العُماني حضورا دوليا أوسع.
دور القارئ والمكتبة الرقمية
لا يقل دور القارئ أهمية عن دور المؤسسات، إذها يمكن للكتب الإلكترونية ومنصات المكتبات الرقمية أن تسهم في تقليص الفجوة الجغرافية. ويتوقف نجاح هذه الخطوة على توافر نسخ رقمية ذات جودة عالية من إصدارات السلطنة، إلى جانب توفير تطبيقات قراءة سهلة الاستخدام على الأجهزة الذكية. وعند تفعيل هذه الأدوات مجتمعة، يصبح الكتاب الثقافي العُماني قادرا على الوصول إلى القارئ في القاهرة ودمشق وتونس والرباط دون عوائق لوجستية.
نظرة مستقبلية
تشير المعطيات الراهنة إلى أن المشهد الثقافي العُماني يمتلك مقومات تجعله قادرا على تجاوز دائرة الانتشار الضيقة، خصوصا مع تنامي الاهتمام بالسرد الخليجي في المشهد الأدبي العربي. ويبقى الرهان على تطوير البنية التحتية للنشر والتوزيع، إلى جانب الاستثمار في المحتوى الرقمي، السبيل الأمثل لإعادة الكتاب العُماني إلى مكانته الطبيعية ضمن خريطة الإنتاج الفكري العربي لهذا العام.