قصة أمينة مكتبة البصرة التي أنقذت آلاف الكتب من هولاكو 2003
في الثالث من أبريل عام 2003، وبينما كانت دبابات الاحتلال تقترب من مكتبة البصرة المركزية، أقدمت أمينة المكتبة علياء خالد ناصر على واحدة من أشجع المبادرات الثقافية في تاريخ العراق الحديث. لم يكن التهديد الذي واجهته بسيطاً، إذ أقدم محتجون على إضرام النار في أجزاء واسعة من المبنى، فيما اندلعت عمليات نهب منظمة استهدفت مئات الآلاف من الكتب والمخطوطات النادرة.
واجهت علياء الموقف بصلابة لافتة، إذ شكّلت مع زملائها سلسلة بشرية استمرت ساعات طويلة لنقل الكتب من المبنى المحترق إلى مقر الإذاعة والتلفزيون القريب، ثم إلى منزلها الشخصي. وقدّرت الروايات الصحفية، من بينها تقرير قناة الجزيرة نت الذي أعاد تداول القصة مؤخراً، أن علياء وزملاءها تمكّنوا من إنقاذ نحو ثلاثين ألف كتاب ومخطوطة، من بينها نفائس نادرة يعود بعضها إلى القرن التاسع عشر.
لماذا تتداول القصة من جديد؟
عاد الاهتمام بهذه الحادثة مع حلول الذكرى الثالثة والعشرين للغزو الأمريكي للعراق، إذ أعادت حسابات ثقافية وإعلامية على منصات التواصل الاجتماعي نشر صور الأرشيف ومقاطع الفيديو القديمة، ليتحوّل اسم علياء خالد ناصر إلى رمز للثقافة المنقذة في زمن الحرب.
ويرى متابعون أن رواج القصة حالياً يعود إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
- تزامن الذكرى السنوية لسقوط البصرة مع موجة اهتمام عالمية بأرشيفات المكتبات المهدّدة في مناطق النزاع.
- إطلاق عدد من المبادرات الرقمية لحفظ الموروث العراقي، وهو ما أعاد تسليط الضوء على معاناة المكتبات خلال العقدين الماضيين.
- انتشار منشورات مؤثرة على منصات التواصل تسلّط الضوء على دور الأفراد في حماية الذاكرة الوطنية.
ماذا حدث في المكتبة بالتفصيل؟
كانت مكتبة البصرة المركزية تضمّ نحو مئة ألف كتاب عند اندلاع الحرب، وفقاً للتقارير الصحفية. وفي الساعات الأولى من الفوضى، خرجت عن السيطرة مجموعات حاولت إشعال النار في المبنى، فيما قام آخرون بنقل الكتب إلى خارجها، إما بغرض السرقة أو بهدف بيعها لاحقاً في الأسواق.
تقول الروايات إن علياء نجحت في إقناع جنود متمركزين قرب المكتبة بحراسة المبنى بعد نقل الكتب، وهو ما حدّ من عمليات النهب الإضافية. وقد سجّلت في مذكراتها أسماء الكتب والمخطوطات التي أنقذتها، وهو ما ساعد لاحقاً فرق الترميم في إعادة تصنيف المقتنيات.
الدروس المستفادة من قصة أمينة مكتبة البصرة
تحمل هذه القصة دلالات تتجاوز حدود البصرة والعراق، إذ تقدّم نموذجاً يُحتذى به في حماية المكتبات أثناء الأزمات. ومن أبرز ما يمكن استخلاصه:
- أهمية وجود خطط طوارئ معتمدة في المكتبات العامة لحماية المخطوطات والكتب النادرة.
- دور العاملين في المكتبات كخط دفاع ثقافي أول عند اندلاع الأزمات.
- الحاجة إلى أرشفة رقمية مسبقة للكتب النادرة، بما يحدّ من الخسارة في حال تعرّضت المقتنيات الأصلية للضرر أو السرقة.
أين وصلت جهود الترميم لاحقاً؟
أُعيد افتتاح مكتبة البصرة المركزية عام 2014 بعد سنوات من الترميم، بدعم من منظمات ثقافية عراقية ودولية. واستعادت بعض الكتب التي أنقذتها علياء رفوفها الأصلية، فيما لا تزال جهود إعادة المسروقات والمفقودات مستمرة حتى عام 2026، إذ تتعاون المكتبة مع جهات حكومية ومنظمات المجتمع المدني لتتبّع الكتب التي خرجت من العراق خلال سنوات الفوضى.
تُعدّ قصة علياء خالد ناصر تذكيراً بأن حماية الذاكرة الثقافية ليست مسؤولية رسمية فحسب، بل هي مهمة فردية قد ينهض بها شخص واحد في لحظة حاسمة. وفي زمن تتسارع فيه التهديدات التي تطول المكتبات حول العالم، تبقى هذه الحادثة شاهداً على أن الإرادة الفردية قادرة على صناعة الفارق حتى في أحلك الظروف.