كتب

أسطورة الرصيف في عمّان.. كيف تحمي أكشاك وسط البلد ذاكرة المدينة وتتحدى تسليع المعرفة؟

في قلب عمّان، حيث تلتقي streets القديمة بحيوية المدينة الحديثة، تقف أكشاك صغيرة لم تختفِ مع مرور الزمن. هذه الأكشاك التي يُطلق عليها أهل المدينة اسم «كتبية الرصيف»، لم تعد مجرد نقاط لبيع الكتب والمجلات، بل تحولت إلى رموز حقيقية لهوية ثقافية تتحدى طبول التسليع والرقمنة المتسارعة.

أهمية هذا الموضوع تكمن في كونه يعكس صراعاً إنسانياً عميقاً بين الحفاظ على الذاكرة الجمعية وبين قوى السوق التي تسعى لتحويل المعرفة إلى سلعة ربحية بحتة. في زمن تتسيد فيه المنصات الرقمية وأصبحت الكتب الورقية تُعتبر تحفة نادرة لدى البعض، تبقى هذه الأكشاك شاهدة على أن الحاجة إلى الثقافة الورقية لم تختفِ بعد.

تاريخ الأكشاك في عمّان

تمتد جذور هذه الأكشاك إلى عقود طويلة مضت، حين كانت عمّان مدينة صغيرة وكان الرصيف مقهى مفتوحاً للعلماء والتجار والأدباء على حد سواء. في تلك الحقبة، لم يكن العثور على كتاب أمراً مكلفاً أو صعباً، بل كان الرصيف ذاته سوقاً مفتوحاً للثقافة والمعرفة.

مع مرور العقود، تطورت هذه الأكشاك من مجرد حِزم من الكتب القديمة على حصائر إلى دكاكين صغيرة منظمة تبيع إصدارات جديدة ومجلات متنوعة وصحف يومية. ورغم التغيرات الاقتصادية والاجتماعية الكبيرة التي شهدتها المدينة، نجحت بعض هذه الأكشاك في البقاء واكتسبت مكانة أسطورية بين الأجيال.

لماذا تحظى الأكشاك باهتمام متجدد في 2026؟

الاهتمام المتزايد بهذه الأكشاك في الوقت الراهن يعود إلى عدة عوامل متقاطعة. أولاً، هناك موجة عالمية من الحنين إلى الأشياء المادية في ظل العالم الرقمي السائد. ثانياً، أثار انتشار الذكاء الاصطناعي وأدوات القراءة الرقمية مخاوف جدية بشأن مستقبل الكتاب الورقي، مما جعل الناس أكثر تقديراً لهذه المساحات المادية.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً محورياً في إعادة تعريف هذه الأكشاك كمقاصد سياحية وثقافية. فنشطاء على منصات التواصل باتوا يشاركون صوراً ومقاطع فيديو توثق جمال تصفح الكتب على الرصيف، مما حول هذه التجربة إلى ظاهرة فايتالية تجذب الزوار.

دور الأكشاك في حماية الذاكرة الجمعية

ما يميز هذه الأكشاك ليس فقط بيعها للكتب، بل قدرتها على الحفاظ على ذاكرة المدينة المتراكمة. في كثير من هذه الأكشاك، يمكن العثور على كتب نادرة ومخطوطات قديمة وطبعات أولى لا تُطبع anymore. هذه المواد تمثل أرشيفاً حياً لتاريخ الأردن والمنطقة العربية.

كذلك تعمل هذه الأكشاك كمساحات اجتماعية غير رسمية يستقبل فيها أصحابها الأدباء والطلاب والباحثين في حوارات مفتوحة تتجاوز حدود التجارة. هذا الدور الاجتماعي يجعلها مؤسسات ثقافية حقيقية تعمل خارج منظومة المؤسسات الرسمية.

التحديات التي تواجهها الأكشاك

رغم كل هذه الإيجابيات، لا يمكن إنكار التحديات الكبيرة التي تواجه هذه الأكشاك. فأسعار إيجارات المحلات التجارية في وسط البلد ارتفعت بشكل كبير، مما أجبر كثيرين على الإغلاق أو الانتقال إلى مواقع أقل مركزية. كما أن منافسة المكتبات الكبرى والمنصات الإلكترونية أصبحت شرسة جداً.

كذلك يعاني أصحاب هذه الأكشاك من قلة الدعم الحكومي والمؤسسي، إذ تتركز برامج دعم القطاع الثقافي على المشاريع الكبرى والمؤسسات الرسمية، بينما تُترك هذه الأكشاك تواجه مصيرها وحدها. هذه الإشكالية تفتح الباب أمام تساؤلات جدية حول السياسات الثقافية الفعلي.

ماذا يمكن أن نتعلم من تجربة عمّان؟

تجربة أكشاك عمّان تقدم دروساً قيمة يمكن تطبيقها في مدن عربية أخرى تواجه تحديات مشابهة. فالاحتفاظ بهذه المساحات ليس مجرد حماية لمهنة تجارية قديمة، بل هو استثمار في النسيج الاجتماعي والثقافي للمدينة. كما أن تحويل هذه الأكشاك إلى وجهات ثقافية يمكن أن يساهم في تنشيط السياحة المحلية.

في النهاية، يبقى الرصيف في عمّان أكثر من مجرد مكان لبيع الكتب، إنه شاهد على قدرة الثقافة على الصمود أمام رياح التغير. وفي زمن يسعى فيه الجميع للتحديث السريع، تذكرنا هذه الأكشاك بأن بعض الأشياء يستحق أن تبقى كما هي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى