كيف تطبّق فيتنام برنامج الكتب المدرسية المجانية؟.. تجربة رائدة في التعليم الشامل
في عالمٍ تتسارع فيه الخطى نحو التعليم الشامل والمجاني، تبرز تجربة فيتنام في توزيع الكتب المدرسية مجاناً كنموذجٍ يُحتذى. فالسلطات المحلية هناك طوّرت على مرّ السنوات منظومةً متكاملةً تهدف إلى ضمان وصول الكتاب المدرسي إلى كلّ طالبٍ دون استثناء، سواءً في المدن الكبرى أو في القرى النائية.
البداية: قرار سياسي بتمويلٍ ثابت
انطلق البرنامج حينما قرّرت الحكومة الفيتنامية اعتبار الكتب المدرسية جزءاً لا يتجزّأ من حقوق التعليم الأساسي. وأُوكلت مهمة التنفيذ إلى الأجهزة المحلية في كلّ محافظة ومقاطعة، مع تخصيص ميزانيةٍ سنويةٍ ثابتةٍ تُحدَّث وفق أعداد الطلاب الفعليين.
الآلية: خطوات عملية من القاعدة إلى القمة
تعمل الآلية وفق عدة مراحل متتالية:
- إحصاء عدد الطلاب في بداية كلّ عامٍ دراسي من خلال قاعدة بياناتٍ مركزية
- تحديد أنواع الكتب المطلوبة لكلّ مرحلةٍ دراسية
- طباعة الكتب في دور نشرٍ حكوميةٍ وشبه حكوميةٍ بأسعارٍ مدعومة
- نقل الكتب إلى المخازن الإقليمية ثمّ توزيعها على المدارس
- تسليم الكتب للطلاب قبل بدء الدراسة بأسبوعين على الأقل
دور المحافظات والبلديات
لا تترك الحكومة المركزية الأمور للصدفة، بل تُلزم كلّ محافظةٍ بتوفير نسبةٍ معينةٍ من التمويل، بينما تتكفّل الدولة بالباقي. وفي المقابل تتولى البلديات الصغيرة تنظيم قوافل التوزيع للمناطق الجبلية والريفية التي يصعب الوصول إليها في المواسم الممطرة.
التحديات التي واجهتها فيتنام
لم يكن الطريق مفروشاً بالورود. فقد واجه البرنامج عدة تحدياتٍ جوهرية:
- صعوبة إيصال الكتب إلى المناطق النائية في موسم الأمطار
- تباين جودة الطباعة بين المناطق الحضرية والريفية
- تأخر صرف الميزانيات أحياناً ما أدى إلى تأخير التوزيع
- الحاجة المستمرة لتحديث المناهج الدراسية
الدروس المستفادة
تكشف التجربة الفيتنامية عن مجموعةٍ من الدروس المهمة للدول التي تسعى إلى تطبيق أنظمةٍ مشابهة. أهمّ هذه الدروس أن نجاح أيّ برنامجٍ تعليميٍّ مجاني يعتمد بالدرجة الأولى على الإرادة السياسية الصلبة والالتزام المالي المستدام. كما أن اللامركزية في التنفيذ تمنح المحافظات مرونةً أكبر في التعامل مع ظروفها المحلية، بينما يضمن التنسيق المركزي العدالة في توزيع الموارد.
واليوم تواصل فيتنام تطوير هذا البرنامج، مع التركيز على التحول الرقمي وإتاحة الكتب الإلكترونية للطلاب الذين يمتلكون الأجهزة الذكية. ويبقى الهدف الأسمى هو ضمان ألا يحرم أيّ طفلٍ من حقّه في الكتاب المدرسي، مهما كان مكان سكنه أو ظروف عائلته.